الرب اعطى والرب اخذ

ليس المؤمن من جبلة فوق بشرية. إنه يفرح ويحزن، يضحك ويبكي، يقيم الولائم ويحضر المآتم. المؤمن إنسان اعتيادي، طبيعي. ما يفرّقه عن غير المؤمنين هو أنه يأخذ بعين الاعتبار سلطنة وهيمنة الله على جميع مقدرات الحياة وكذلك جديّة الوجود غير المنظور أي عالم ما فوق الطبيعة. وبعبارة أخرى مع تعلق المؤمن بالحياة الدنيا ألا أنه يؤمن من قرارة قلبه بأنها ليست كل ما في الوجود. النظرة الحياتية التي يدين بها المؤمن هي نظرة مستقبلية وكونها مستقبلية لا يعني أنها تهرّب من الواقع الأليم. ومع كون تفاصيل الحياة بعد الموت مع أنها كانت ضئيلة في أيام ما قبل الميلاد، أي أيام كتابة سفر أيوب، إلا أن الله كان قد كشف كفاية عن الحياة بعد الموت حتى أن المؤمنين به لم ينهاروا انهياراً تاماً لدى حدوث الكوارث الحياتية. وهكذا نرى أنه بعكس قول الشيطان بأن أيوب كان سيجدّف فيما إذا خسر أمواله وأولاده، نرى أنه استسلم كلياً لله ولمشيئته التي تفوق مقدرتنا على تفهم تفاصيلها وسجد وقال: عريانا خرجت من بطن أمي وعريانا أعود إلى هناك ” ويعني أن جسده سيعود إلى الأرض نظراً من أنه منحدر من آدم الذي جبله الله من تراب الأرض ” الرب أعطى والرب أخذ، فليكن اسم الله مباركا.

ومن الجدير بالذكر أن الله تابع في إعطائنا وحيه المقدس منذ أيام أيوب وأن هذا الوحي اكتمل في مجيء المسيح إلى عالمنا منذ نحو ألفي سنة. علمّنا المسيح بأن ما وراء هذا الوجود يكمن وجود حقيقي غير منظور وأن مصير الإنسان لا ينتهي بمجرد موته بل هناك حياة أبدية سعيدة للذين تصالحوا مع الله ونالوا غفران خطاياهم. أما الذين يتبعون مسيرتهم في طرق الشر والخطية فإن نهايتهم ستكون رهيبة.

وبنى المسيح أساس المصالحة على عمله الكفّاري الذي أتمه عندما مات عنا على الصليب. لكنه لم يبق في قبضة الموت بل قام في اليوم الثالث من بين الأموات وأعطانا صورة حية لمصير جميع الذين وضعوا ثقتهم القلبية فيه. وهكذا إن كان أيوب قد صمد في وجه أعاصير الحياة التي هبت عليه وسلبته أمواله وأولاده، فنحن أيضاً أهل هذه الأيام سنصمد في وجه كوارث هذه الحياة بمعونة الله وننضم إلى أيوب قائلين: الرب أعطى والرب أخذ، فليكن اسم الرب مباركا. آمين.
د-بشرى بيوض

عن د. بشرى بيوض

د. بشرى بيوض