مامعنى الثالوث الاقدس ؟

مامعنى الثالوث الاقدس ؟

د-بشرى بهنام بيوض

سر الثالوث الأقدس  هو أكثر بكثير من مجرد سر لا يمكن فهمه؛ لأنه سر اراد الله نفسه أن يكشفه لهؤلاء الذين يأخذون الوقت لكي يصغوا إلى كلامه ويقومون بجهود كي يعيشوا بحسب هذا الكلام والتعليم.

فكلما نتقدم بالعمر والخبرة، نكتشف بأن الله يتجاوز إدراكنا وعقلنا، والطريقة التي يعطيها الله لنا كي نكتشفه هي أن نختبر حُبّه.. أي من خلال الدخول في علاقة معه. فعندما نقبل أن ندخل في علاقة حُب معه.. وأن نتعرف عليه من خلال شخص يسوع وتعليمه، سنكتشف عندها إلهاً حنوناً، طيباً، أبوياً.. إلهاً مثل أب كله محبة ورحمة، أب يستقبل العشارين والزناة والخطأة، ويقترب من البُرص ويساعدهم حتى يعودوا إلى بيئتهم وحياتهم الطبيعية، هو الذي يغفر لبطرس ويفتح ملكوته إلى اللص الذي صُلِب معه، هو القريب منا، والذي يسكن فينا.. في قلبنا ويعطينا القوة الشجاعة لكي نواجه صعوبات الحياة كل يوم.

إله يسوع المسيح يكشف لنا ذاته “كإلهٍ رحيم ورؤوف، طويل الصبر علينا، كثير المراحم والوفاء” (خر 34:6). لا يكشف نفسه عن طريق التخويف لكن من خلال لقاءات مليئة بالحنان والحُب، ويَعد شعبه بأنه سيعيش في وسطه. وهذا ما يقوله يسوع ويؤكده بعد قيامته: “ها أنا ذا معكم كل الأيام، حتى نهاية العالم.” (متى 28: 20).

يسوع يكشف لنا عن أبيه أيضاً عندما يقول (لنيقوديمس): “إن الله أرسل ابنه إلى العالم، ليس لكي يَدينَ العالم، بل ليُخلٍّصَ به العالم” (يوحنا 3: 17). هذه الفكرة هي فكرة غريبة وثورية بالنسبة لكل الأديان وحتى الدين اليهودي. فالأديان الأخرى عادة تُبَشِّر بإله يأتي لكي يعاقب المتمردين والذين يعصون إرادته ويقضي على الخطأة ويبيدهم. بينما الإله الذي كشفه لنا يسوع، هو إله يريد أن يدخل معنا في علاقة مبنية بأكملها على المحبة وليس على الخوف والشك والحساب والعقاب والإدانة.

الصورة التي لدى أغلب الأديان أو لدى أغلب الناس عن الله هي عادة صورة إله العدل وليس إله المحبة والرحمة والمغفرة.. إله القانون، والإنتقام والحساب.. المحاسبة. بينما صورة الله التي أتى بها يسوع.. تكشف لنا بأن إلهنا هو ليس إلهاً جامداً.. وحيداً.. لكنه ثالوث، إله شِركة .. وعلاقة.. إله المحبة والطيبة والرحمة والغفران

في كل مرة نعمل فيها إشارة الصليب، كما نفعل مثلاُ في بداية كل قداس، نحن نقول: “باسم الآب، والابن ، والروح القدس، الإله الواحد”. لكن ما نقوله هذا، هل نحن نفهمه حقاً؟ عل الأغلب لا.. والسبب هو أن الآب والابن والروح القدس الذين ندعوا باسمهم يمثلون ما نسميه: أعظم سر.. سر الثالوث الأقدس. والسر بالتحديد هو شيء لا نستطيع فهمه.. لهذا هو سر. لكن هذا لا يعني بأننا لا نستطيع أن نُعَبِّر أبداً عن هذه الحقيقة؛ بل بالعكس، فالله نفسه أراد أن يدخلنا في سره هذا ويشركنا في حياته نفسه

أفضل طريقة يعطينا إياها الإنجيل لكي ندخل في سر الله الثالوث هي من خلال ما كشفه يسوع عنه أي كون أن الله محبة. فالإنجيل لا يقول لنا فقط أن الله يُحب .. أو أنه إلهٌ مُحِب. بل: اللهُ محبة. فهناك فرق بين أن نقول أن الله يحب البشر.. وهذه فكرة يمكن أن تقبلها كل الأديان.. وبين أن نقول أن الله هو أصلاً وحتى قبل الخلق.. هو في حد ذاته محبة. وعندما نقول محبة، يجب أن يكون هناك أكثر من شخص.. أي هناك علاقة.. إذن منذ الأزل الله هو ليس وحيد وإلاّ لكان يحب ذاته.. والله بالطبع هو ليس نرجسياً ومتمركزاً على ذاته، بل هو ثالوث.. شركة… وهذا بالضبط ما كشفه لنا يسوع. وهذه هي بالذات البشرى السارة التي جاءنا بها: فالله يريدنا أن ندخل في شركة معه حتى يقاسمنا حياته الإلهية وإلى الأبد. “ليس لي شيءٌ إلا وقد أتاني من الآب.. وكل ما هو للآب هو لي، وأنا أهبكم الروح القدس الذي سيخبركم بكل مما هو من الآب ومني..”

إذن الصورة التي يكشفها لنا الكتاب المقدس هي أن الله بالأساس محبة.. علاقة حُب بين الآب والابن والروح القدس

د-بشرى بهنام بيوض

عن د. بشرى بيوض

د. بشرى بيوض