الرئيسية - مشاركات و مقالات - مشاركات و مقالات دينية - جان ماري فيلنية شفيع الكهنة

جان ماري فيلنية شفيع الكهنة

جان ماري فيلنية شفيع الكهنة

في ذكرى المائة والرابعة والخمسون لوفاة القديس جان ماري فيلينة شفيع الكهنة

جان ماري فيلنية: هو المعروف بـ خوري أرس (1786- 1859) وشفيع الكهنة الرعايا. ولد بالقرب من مدينة ليون في فرنسا. واقيم كاهناً فيها. فرعى رعية أرس على نحو عجيب ، بالموعظة والتضحية والمحبة والصلاة. وقد برع في الارشاد الروحي، فأقبل اليه المؤمنون من كل صوب. اعلن البابا بيوس الحادي عشر قداسته سنة 1925 .نحن  نعلم ان قداسة البابا بندكتس السادس عشر ، قد وجه رسالة لآخوتنا الكهنة ، قال فيها: ان السنة الكهنوتية تهدف لآنماء الالتزام بالتجدد الداخلي ، فتصبح شهادة الكهنة الانجيلية اكثر قوة وفعالية في عالم اليوم ، ومذكراً أخوتنا الكهنة في جميع انحاء العالم ، بكلمات خوري أرس الكهنوت هو حب قلب يسوع. وقال الحبر الاعظم أيضاً في رسالته للسنة الكهنوتية:

ان الكهنة عطية ثمينة للكنيسة والبشرية ويذكر ، بخدمة لا تعرف التعب ، وبالمحبة الشاملة ، والشجاعة والامانة للدعوة ، على الرغم من صعوبات الحياة اليومية. ويتوقف البابا من ثم عند حياة القديس جان ماري فياني خوري أرس ، ويقول: كان بغاية التواضع ، وعرف نفسه ككاهن ، انه يشكل عطية كبيرة لشعبه ، فالراعي الصالح راع حسب قلب الله. وليس كما هو يريد ، بل يتمم أرادة الاب السماوي .ولقد بين الاب الاقدس مختصر حياة الكاهن خوري أرس بما يلي: زياراته المتواصلة للمرضى والعائلات ، جمع المال للقيام بأعمال المحبة والرسالة ، أهتمامه بتجميل كنيسته ، رعاية الايتام ، وتعليم الاطفال ، دعوة العلمانيين للتعاون معه. ويقول قداسته: ان مثال القديس جان ماري فيلينة ، يدفعه للتذكير ايضا بأهمية توسيع مجالات التعاون مع المؤمنين العلمانيين. تأمل في حياة هذا الكاهن خدم في رعية فقيرة جدا ، وهو بعمر 31 سنة ، دون مورد رزق ، ودون قدرة كبيرة على الوعظ ، انما بحيوية كبيرة ، حيوية الروح تنبعث من صلاته. وهذه الرعية ، هي قرية أرس في فرنسا ، رعية ذات الايمان الخامد، وكان يحمل في قلبه رغبة وحيدة ( ان يعطي نفسه للرب بكليته ويثكل عليه في كل صعوبات حياة الرعية الجديدة ). كان هدفه ان يعيد الى الله هذه الجماعة التي اوكلتها الكنيسة الى عنايته ، وكان احياناً يخاف من ثقل هذه النفوس التي يريد الرب خلاصها ، وكان يرى نفسه ضعيفا جدا ، ومسؤوليته كبيرة. فحاول ترك الرعية ثلاث مرات ليلاً ، ولكن رعيته كانت تمنعه من الخروج. وحين كان يستغيث بالاسقف ، كان الجواب دوما ( أبق حيث تريدك الكنيسة ان تكون ). تمم ارادة الرب. كانت أرس قرية مسيحية ، تعلن أيمانها المسيحي بسبب التقليد والعادة ، ولكن لا بحرارة الايمان وبالاستعداد للشهادة ، بل كانت التقوى سطحية والايمان كان يموت تدريجياً. ولكن هذا الامر لم يمنع الخوري الساعي الى قداسته والى قداسة رعيته من الجهاد من اجل تغيير الواقع ، فكان يزور العائلات ويهتم بمشاكلهم ، كانوا يرونه يصلي دوما ، مثالاً حياً أمامهم ، يهتم بالفقراء ، يزور المرضى ، كان دائم الحضور في الرعية ، لا بل في الكنيسة نفسها ، حتى اصبحوا يقولون: ( ان الخوري يسكن في الكنيسة لا في بيت الرعية ) . ورغم هذا ، بقي يصطدم بحقيقة ان كنيسته كانت فارغة يوم الاحد ، فقد كانوا كلهم في حقولهم يعملون ، ومن لا يعمل ، فكان يذهب الى المقهى في ساحة البلدة . لكنه لم يفقد الأمل أصر على ارتداد الرعية ، فكان اول ما قام به ، هو تجديد اواني الكنيسة ، صارفاً على هذا الامر كل مقتنياته ، فكان بعمله هذا يقول: الرب هو الآولى بالخدمة. تمضون الاحد في الحقل وفي المقاهي ، بينما الله متروك؟ لقد قرر ان يعطي المقام الاول لجمال خدمة الله. على اثر هذا ، بدأ أبناء الرعية يأتون الى القداس ، ليروا ما يحدث اولا .
وفي غضون اشهر قليلة ، سوف تتحول قرية أرس الى الرعية الآكثر التزاما في الابرشية كلها . لقد كان قاسياً بداية الامر ، لكي يعرفون جسامة خطأهم. كان يقول: أنه ليس من الضروري ان نقتل ، او نسرق مال ابينا وامنا لنكون ملعونين ، بل يكفي ان نتبع صوت كبريائنا لنذهب الى جهنم. ( لم يكن ينام اكثر من ساعتين او ثلاثة ، ويقضي كل وقته في سماع الاعترافات ، وكان التائبون يأتون اليه من كل فرنسا ، ولم يكن يتوقف الا ساعة القداس ). كان لخوري أرس طريقة تعاطي تختلف بحسب شخص التائب . من كان يأتي الى كرسي الاعتراف ، كان يجد لديه التشجيع للغوص في غمر الرحمة الالهية التي تغسل كل شئ. وكان يقول للتائب: ( قبل ان تعترف انت ، الله يعرف انك سوف تسقط مرة اخرى ، ورغم هذا غفر لك . كم هو عظيم حب الهنا الذي يندفع الى درجة انه ينسى المستقبل بارادته ، لكيما يغفر لنا ). اما الذي كان يعترف بفتور ، فكان خوري أرس يقدم له ، عبر دموعه هو ، الدليل الساطع والاليم على كم ان تصرفه اُثم ، قائلا: انا ابكي لآنك لست تبكي كان يجعل التوبة تولد في القلوب الفاترة ، ويدفعهم بعينيه ، الى رؤية الأم الرب بسبب الخطايا ، الام متجسدة  تقريبا على وجه الكاهن الذي يعرفه. أما الذي كان يحضر لديه بتوق وقدرة على عيش حياة روحية اعمق ، فكان يشرع له اعماق الحب ، شارحاً له: كل شئ تحت انظار الله ، كل شئ لارضاء الله . . كم هو جميل هذا. وكان يعلمهم كيف يصلون: ( يارب اعطني نعمة ان احبك بقدر ما يمكنني ان احبك ). لقد عرف خوري أرس في الفترة التي عاش فيها كيف يبدل قلوب الكثيرين وحياتهم ، لانه عرف كيف يجعلهم يشعرون بحب الله الرحوم .هذا الاعلان عينه هو ضروري ايضا في أيامنا هذه ، وضرورية شهادة مماثلة لشهادته عن حقيقة الحب: الله محبة (1يو4،) وكان يشكي: ان الكارثة التي تحل بنا ، نحن كهنة الرعايا هي ضعف الحياة الروحية ، قاصدا بهذا القول اعتياد الراعي الخطير على الخطيئة وعلى حياة الاستخفاف التي تحيا فيها خرافه. لقد كان يقمع جسده ، بالسهر وبالصوم ، لكي يمنعه من معارضة روحه الكهنوتية. ولكي يشترك في التعويض عن الخطايا الكثيرة التي كان يسمعها في كرسي الاعتراف. كان يقول لكاهن اخر( سوف اعطيك وصفتي: أعطي الخطأة تعويضا صغيرا ، واقوم بالباقي عوضا عنهم ). يبقى اساسيا للجميع قلب تعليمه: ( ان النفوس ثمنها دم المسيح ولا يمكن للكاهن ان يتكرس لخلاصهم اذا رفض ان يشارك شخصيا بثمن الفداء الباهظ ). ورغم هذا الوقت الذي قضاه في سماع الاعترافات ، وجد خوري أرس الوقت ليؤسس في رعيته مدرسة وميتما ، دعاه ( ميتم العناية الالهية ) ، كما شجع رعيته على المشاركة بما امكنها في الحملة التي نظمها اساقفة فرنسا ، بعد مرور سنوات الرعب ، من اجل اعادة تبشير فرنسا. كان معدما من الناحية المالية ، انما لم ينقصه الطعام يوماً في الميتم: كانوا يذهبون لآخذ الخبز ، فيجدونه فارغا، فيأتون الى بيت الرعية ليشكوا لكاهنهم الامر ، فيطلب منهم ان يصلوٌا معه ، وبعدها يعودون الى الميتم ليجدوا المعجن مليئا بالقمح. وحين كانت عاصفة برد تضرب أرس ، كان الفلاحون يأتون طالبين اذن كاهنهم لعدم المشاركة في القداس ، ليذهبوا لآنقاذ ما يمكن انقاذه ، فكان يعلم كيف يجد الحل الوسيط بين خوفهم المحق وبين واجبهم الايماني ، فما كان يتوانى في تأخير القداس حتى عودتهم ، لا بل كان يساعدهم ايضا. ورغم هذا فان سكان الرعية كانوا يرددون دوما ان العواصف القوية لم تضرب قريتهم بقسوة كما ضربت القرى المجاورة ، وذلك طيلة حياة القديس بينهم. موته وفي سنة 1858 ، أي سنة واحدة قبل موت القديس ، بلغ عدد زوار راعية أرس سنوياً حوالي مئة الف زائر يأتون للآعتراف. ورغم ان اسقف الابرشية كان قد ارسل اليه فريقا من كهنة يعاونونه في الاعتراف ، الا ان الحجاج كانوا يريدون الاعتراف امامه هو ، فكان يبقى في كرسي الاعتراف حوالي17 ساعة يوميا. كل من عرف خوري أرس كان يقول: ان طبعه لم يكن هادئا ، بل قاسيا وعنيفا والصبر لم يكن اقوى فضائله ، ولكنه كان يقمع طبيعته في كرسي الاعتراف ، صابرا ساعات طوال لقبول توبة المؤمنين ، فكان يبدو كملاك محبة ولطف ، انما على محياه كنا نرى الانهاك والاجهاد بحسب قول شهود عايشوه. قوة الروح التي حركت حياة القديس جان لم يقدر قلبه على تحملها طويلا ، وفي الساعة الثانية فجرا من 4 اب 1859 ، اسلم  القديس الروح بسبب الانهاك بعد حياة تعب وخدمة متواصلة  بعمرثلاثة وسبعون سنة قضاها في حب المسيح  ، واهبا له قلبه ، واضعا كل امكانياته في خدمة الجماعة التي اوكلتها الكنيسة الى رعايته. مرة ، في صلاته ، هاجمه الشرير صارخا : لو كان هناك ثلاثة مثلك على الارض ، لكانت مملكتي مهدمة الان، لذلك اعلنته الكنيسة شفيعا للكهنة ، وللآكليروس الابرشي بشكل خاص.

 

تطويبه في 8 كانون الاول 1905 ، اعلنه البابا بيوس العاشر طوباويا وشفيعا لكهنة فرنسا. وفي 31 أيار 1925 اعلنه البابا بيوس الحادي عشر قديسا، وعام 1929 عاد واعلنه شفيع كهنة الرعايا في العالم. وهذه السنة احتفالا ببدء السنة الكهنوتية في التاسع عشر من حزيران 2009 والذكرى الخمسين بعد المائة لوفاته هذا الكاهن القديس، شفيع كهنة الرعايان افتتح البابا بندكتس السادس عشر السنة الكهنوتية.

 

صلاة: أيها الاله الازلي القادر على كل شئ يامن جعلت من القديس يوحنا ماري كاهنا عجيبا، متقدا غيرة رسولية، هب لآخوتنا الكهنة ، بشفاعته وقدوته، ان يسعوا وراء خلاصنا وخلاص جميع المؤمنين ، بالمحبة والصبر، وان يزينوا الكنيسة بدعوات كهنوتية ورهبانية ، بمثلهم الصالح ، بشفاعة ام الكهنة ، وان يبلغوا معنا دار النعيم السماوي ، وخاصة في هذه السنة الكهنوتية. امين يا أم الكاهن الآزلي صلي لآجل كهنتنا وقدسيهم.

 

شامل يعقوب المختار

عن شامل يعقوب المختار

شامل يعقوب المختار