لبنانُ لو خيّروهُ اليوم لاختارَ فكرَ بانيهِ … بقلم لويس إقليمس

احترقت بيروت يوم الثلاثاء 4 آب 2020، كما أرادَ لها أعداؤُها من خارج البيدر العربي القحّ والحاسدون لدارها الوطنية الآمنة في الفكر والسلوك والأخلاق والإنتاج والمرح والثقافة والأنس والتحرّر بكلّ رموزها وأيضًا في رمز أرزها الشامخ. أحرقوها بالأمس بمواد قاتلة لم تبقي ولا تذر، فأدمعتْ لها عيونُ أهلها وأصدقائها ومحبيها دمًا مصحوبًا بمرارة العلقم على ساكنيها وقاصديها ولاعبيها وشاغليها ومؤنسيها. ولا عجب في تجدّد مثل هذا الفعل القبيح في الزمن المعتم العقيم. فقبلها حديثًا وليس قديمًا، أحرقها أعداؤها زمنَ الحرب الأهلية القاتلة في نيسان 1975 وأصبحت موقدًا مشتعلاً لسنوات، حين دخلها الزؤان الفلسطيني عنوة لإحداث تغييرات ديمغرافية في خارطتها السكانية والجغرافية والسياسية بفعل فاعل. ونظرًا لتشابك المصالح وتقاطعها بحسب الظروف وشكل الضغوط وتبادل الأدوار، لم يتوانى الغرباء والدخلاء من تكشير أسنانهم على تركيبتها السكانية المعقدة طيلة تلك الحرب الضروس، ومنها ما يتعلّق بتركيبتها التقليدية المسيحية المتميزة بهدف إنهاء دور هذه الجماعة المتسيّد تاريخيًا وعصريًا وثقافيًا وسياسيًا وسكانيًا. وهذا ما حصل حين اضطرار الآلاف من اللبنانيين ومنهم المسيحيين بخاصة لاختيار الهجرة والاغتراب في بلدان المهجر المتعددة سبيلاً للوقاية والنجاة من هجمات الأعداء الذين كثروا وتكالبوا آنذاك داخليًا، وزادوا شكيمة وعزيمة وقهرًا وكيدًا بدفعٍ من تدخلات خارجية إقليمية ودولية سافرة. وإني لا أعتقد بفظائع أتعس وأشدّ ممّا أذاقه النظام السوري لاحقًا لهذا البلد حين تيسر لهذا الأخير احتلال لبنان وإحداث تغييرات في تركيبته السكانية وفرض إرادته السياسية على الفرقاء لحين انقشاع الغيمة قليلاً لفي وقت لاحق.
لعلّ ما يثير الدهشة والحيرة، أنه ما أن حطت الحرب الأهلية المدمّرة أوزارها حتى تراجعت القهقهرى جميعُ الميليشيات المتحاربة بموجب اتفاقات دولية وإقليمية، ماعدا ميليشيا حزب الله التي أصبحت تتنامى على مرأى ومسمع من المجتمع الدولي والإقليمي وبدعم خارجي معهود، وربما حتى من الغرب “الكافر”. ولا أحد كشفَ السرّ الغامض وراء تلك الخطوة الماكرة. فهل جرى التخطيط مذ ذاك التاريخ للبدء بزرع بذور فاسدة لإمارة مذهبية شيعية وسط بقعة جميلة مثل لبنان لم يعرف شعبُه المتآخي سوى المحبة والأمل و اسلوب عيش ثقافة الحرية والجمال والفكر والطرب والأنس بهدف استبدال كل هذا الإرث وهذه الثقافة بنظام محاصصاتي لتخريب البلاد وتدميرها من خلال خلق بؤرة جدلية مشبوهة مليئة بالمتفجرات والعثرات والسفاهات؟ ولصالح مَن كلُّ هذا التسفيه والتدمير والخراب؟ ولماذا يرفض ساسة لبنان سماع صوت الحق الحكيم المطالِب بتبنّي سياسة الحياد الإيجابي الذي من شأنه الحفاظ على سيادة البلاد واستقلاليتها وتحصين أرضها وسمائها وترابها من اية تدخلات خارجية تنوي دقّ الأسفين بين الفرقاء السياسيين وتحمي البشر والحجر معًا من أية مساعي أو محاولات للنيل من تركيبة البلاد الدينية والإتنية والثقافية والحضارية والمجتمعية؟ أسئلة كثيرة تنتظر الردّ والتحليل والتفاهم.
إنّ ما يتداولُه النشطاء وتتحدث به وسائل إعلام محلية ودولية يثير الريبة والخوف من تفاقم غول ميليشيا حزب الله في لبنان، والذي أصبح ومنذ سنوات يُحكم قبضته على مداخل العملية السياسية ومغالقها برمتها ويُحرّك الأحزاب المتشاركة معه كبيادق قابلة التغيير والاستهداف والتطويع بحسب مصالحه وتنفيذًا لأوامر الأسياد بإحكام السيطرة على ما يُسمّى بالهلال الشيعي قابل التوسّع والتعاظم ضمن سياسة الجارة الشرقية. فإذا كان ما تردده وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي وما تكشفه القنوات الفضائية والتقارير الإخبارية المتنوعة من معلومات من قلب الحدث صحيحًا ويشكل واقع المشهد السياسي الراهن، فإنّه من دون شكّ يُحصى ضمن سياق الهيمنة الانفرادية على مقاليد السياسة برمتها. وهو أمرٌ في غاية الخطورة عندما لا تتوانى مثل هذه الوسائل المتشعبة عن الحديث في هذه الأيام علنًا عن سطوة ميليشيات حزب الله على الإرادة السياسية للبلد والشعب ومنها بطبيعة الحال مصالحُه الإقليمية ومنافذه الحدودية الجوية والبحرية والبرية، ما يجعل هذه الميليشيات تتحكم انفراديًا بما يدخل ويخرج منها من دون رقابة حكومية ولا عين وطنية. وهذا يتطلب وقفة وطنية جريئة من شعب لبنان وسائر مكوّناته المتهالكة التي أعيتها سياسة المنظومة الحكومية المحاصصاتية القائمة التي لا تقلّ فسادًا عن نظيرتها العراقية التي تتحكم فيها ميليشيات مماثلة بمقاليد السلطة والثروة والسياسة بذات الطريقة. فالمنظومة السياسية المحاصصاتية التي أتى بها الغازي الأمريكي في العراق وفرضها قسرًا في سياسة البلاد ومنظومتها التحاصصية المستنفعة لا تختلف عن نظيرتها التي كرستها آنذاك مقررات الطائف والدوحة وغيرها من التوافقات السياسية الداخلية التي لم يُكتب لها ديمومة التواصل بسبب تقاطع مصالح أحزاب السلطة والدول التي تقف وراءها، فيما الشعب كان هو الضحية كالعادة ولم يحصد من وراء نلك السياسات سوى الخيبة والقهر والظلم والفقر وسوء الخدمات وتحمّل فساد السادة وتتالي فشل الحكومات .
لماذا احترقت بيروت؟
بين بيروت وبغداد مساحات شاسعة من التفاهم والعشق العربي الخالد. فبيروت حقًا، هي صاحبة الفضل في إشاعة ثقافة الجمال والانفتاح في صفوف نظيراتها العربيات، إلى جانب تشغيلها وبجدارة ماكنةَ الثقافة والمعارف ليتذوّقها القارئ النهم في الوطن العربي والعراق بشكلٍ خاص بشيء من الشوق والامتنان والغيرة. وبيروت أيضًا، هي التي أتاحت ل”بلقيس” بنت العراق، بنت العرب وحسناء السفارة العراقية الغوص في متاهات السياسة التي حسبتها نظيفة. لكنّ يد الغدر طالتها مع مجموعة وطنية بريئة، فأسقط هؤلاء بجريمتهم النكراء كلّ حلاوة ذلك العشق السرمديّ بين بغداد وبين حسناء العراق حين سقط جسدُها الغضّ مضرجًّا بالدماء الساخنة وضاعت ظفائرُها الجميلة بين طيات غبار التفجير الإجرامي. وقد جسّد الشاعر السوري زوجها المفجوع نزار قباني هذه الجريمة في أروع قصيدة أبكت الملايين إلاّ السفهاء. وتلكم جزء من المقارنة والتشبيه بما يجري ويحصل غبّة تلك السنوات العجاف بين العاصمتين المنكوبتين حيث لا يريد الدم أن يجف بسبب ذات الأدوات وذات الفكر الإيديولوجي القاتل المعوجّ. فالأيادي هي هي ذاتُها التي تتحرّك وتهدّد وتقتل وتبطش بالأحباب وتُهجّر البشر وتغتال أناسًا آمنين بكلّ خيلاء وتفاخر وعجرفة وتبجّح.
حين غرقت بيروت في حربها الأهلية وروت أرضها دماءُ الأبرياء الزكية تحت أمرة زعماء الحرب من سائر مكوّناتها، فقد كانت حربًا طائفية بامتياز. أمّا المقصود بها فكان بلا شكّ تقويضُ أركان أهمّ مكوّن وطنيّ كان يدير تقليديًا شؤون البلاد بفكر غربيّ منفتح ومتطور ممزوج بعروبة وطنية لا لغطَ فيها. فكان أن تكالبت على هذا المكوّن الأصيل يدُ الفرقاء السياسيين في الداخل بتأثير دول الجوار التي تختلف في دينها عن دين الأغلبية المسيحية المحسوبة على الغرب ظلمًا آنذاك، فيما واقعُ هذا الأخير كان يفصح عن علمانيّة واضحة لحدّ الكفر واللاّأدرية والتجاهلية لكلّ ما يمتُّ بصلة للمسيحية والكاثوليكية بالذات. وظلمًا انبرى نفرٌ ضالٌّ في حينها ومازل البعض على ذات الاسطوانة من أمثال أصحاب بعض الأقلام المتطفلة والقنوات المشبوهة بتبيانه للناس هذه الأيام افتراءً. ولم تنفع معها حكمة الشيوخ ولا نداءات الدعاة محبي السلام ولا تحذيرات خبراء السياسة الذين حذروا من القادم الأخطر القاتل. وها قد وقع المحذور وأخذت الجريمة طريقها للتنفيذ الفعليّ حين اضطرّ الآلاف من ابناء الطائفة المسيحية أكثر من غيرها للهجرة وترك البلاد تحت تأثير المدّ الإسلامي والطائفي الذي تبنته آنذاك دول الجوار وأطبق عليه صمتُ الغرب “الكافر”. ألا يكفي ما حصل من مآسٍ لهذا البلد الصغير المتآخي لسنوات كي يدخل من جديد في متاهات السياسة الجاهلة التي أغرقته في دماء بريئة وأزمات متتالية وآخرها ما اصابه من دمارٍ لا يقلّ في شدّته وأذيته ودماره عمّا فعلته القنبلتان النوييتان في كلٍّ من هيروشيما وناكازاكي على السواء؟
حسدوكِ يا بيروت
يبدو أنّ اكتساب لبنان صفة سويسرا الشرق مصرفًيا واقتصاديًا ونيلها استحقاق سمة باريس الشرق موقعًا وحدثًا وثقافةً ومجتمعًا ومناخًا وديمقراطية قد أغاض الكثيرين ممّن استكثرها عليه بسبب طبع المجتمع اللبنانيّ المنفتح عامةً بوشاح وطنيّ متحضّر أقرب إلى الغرب المتقدم في العديد من جنباته وسلوكياته ورؤاه للأحداث وقرب هذه السلوكيات للإنسان المتحضر. كما أصبح لبنان من دون مواربة ولا تدليس ذلك الملاذ الآمن للهاربين من جحيم الأنظمة العربية المتخلفة التي تدير سياسة بلدانها بجهلها الذي علتْ راياتُه كثيرًا واستنفذت حيلَها ومكرَها وكذبها المتواصل على شعوبها التي كلّما اقتربت هذه الأخيرة من إحكام الطوق على الطبقة السياسية الفاسدة التي تحكمها، تقوم أحزاب السلطة الحاكمة بفتح نوافذ جانبية للتملّص والحماية بهدف الوقاية من غضب شعوبها باستخدام أقصى حركات المكر السياسي المصحوب بأدوات الدين والطائفة والمذهب وبحجة الخشية والخوف من فقدان المكاسب ضمن هذه الخانات التي أصبحت لعبة بايدي ساسة الصدفة في بلدان مثل العراق ولبنان والسودان واليمن وسوريا والبلدان المغاربية كما هي الحال هذه الأيام. فالطبقات الحاكمة في هذه البلدان نموذجًا، بقيت تراوح مكانَها من دون إشارات أو نوايا حسنة للإصلاح، بل فعلت كلّ ما بوسعها للحفاظ على منهجها ومنظومتها السياسية بعيدًا عمّا تتطلبه إرادة الإدارة الصحيحة والحكم الرشيد الذي يرضي الله والإنسان معًا.
ولعلّ أحد الأسباب المهمة التي أتت بالغضب المتساوي المتتالي على بلدان المنطقة وشعوبها يكمن في فشل هذه البلدان بإدارة شعوبها على أسس موضوعية وإنسانية تتوافق مع العصر والفكر الإنسانيّ المتجدّد الذي يقرّ بكلّ المعايير العليا للإدارة الرشيدة في موضوع الإباء والنزاهة والتكليف والخدمة وليس في التشريف واستغلال النفوذ والسطوة والنهب والبطش ضدّ كلّ مختلف عنها في الرأي والفكر والمنهج. فالمقياس الأساس في الحكم الرشيد الصحيح المقبول ينبغي له الابتعاد كثيرًا عن اي انزلاق في متاهات جانبية لم تعد مقبولة لا تغني ولا تسمن مثل أدوات الدين والمذهب والطائفة والمكّون. فالذي ينبغي أن يحكم أولاً هو الوطن، وقانون الولاء له وليس لسواه هو الأجدر بالسير في إثره كي يقدسه المواطن الصادق وليس الانجرار جهلاً وعبثًا وراء تقديس الأفراد والأشخاص ورفعهم إلى قامات القدسية التي لا تقبل التكذيب والطعن حتى لو ضاع في مفهومها حقُ المستضعفين ولحقَ الفقرُ والموتُ بالطبقات الفقيرة التعبانة التي أنهكها أصحاب القامات المقدسة بالدجل والخبث والضحك على ذقون الفقراء والبسطاء والبائسين. وما أكثرهم هذه الأيام.
واليوم، من حق شعوب المنطقة أن ترتفع أصواتُها صارخة بملء أشداقها مطالبة برحيل الطبقات السياسية الفاسدة في بلدان أشبعتها هوانًا وكذبًا ودجلاً ونهبًا وسلبًا للثروات ولحرية الرأي. ومن المعيب بل من العار تركُها تُحكم قبضتها الحديدية على مقاليد السلطة وتشبثها غير المشروع بالحكم، طالما رفضتها شعوبُها الثائرة وعبّرت عنها في ساحات الشموخ والكرامة. فالمطالبات برحيل ساسة الصدفة ومغادرة الطبقات الفاسدة الحاكمة في كلّ من لبنان والعراق وسوريا لهي خيرُ دليل على حق شعوب هذه الأوطان بالعيش الرغيد والسلام والأمان في ظل حكومات عادلة ترسي المحبة والمساواة والعدل في سلوكها ودساتيرها وقوانينها الوطنية القريبة من مشاعر وحقوق الشعب وطموحاته المشروعة.
أخيرًا يا بيروت الجريحة وليس آخرًا، لا بدّ لليل البهيم أن ينجلي وللظلم أن ينزوي والظالم أن ينال قسطه من العقاب في الدنيا والآخرة. ويقينًا شوقُك يتوق لبانيكِ ومهندسكِ وراعيكِ. فاسمحي لي أن أشارك أهلك الحزن مع أهلي وبلدي وأرثيك وأبكيكِ كما رثاك وبكاكِ الكثيرون. فما اشبه اليوم بالأمس حين رثاك شاعر العرب الفطحل الجواهري بأبيات مؤثرات، لعلَّ بغدادَ تتعظ من مصابك الجلل وتطرد مَن أبكاها هي الأخرى وأحالَ نهارَها ليالي مظلمات ظالمات:
جللٌ مصابُك يا بيروتُ يبكينا يا أخت بغداد ما يؤذيكِ يؤذينا
ماذا أصابك يا بيروت دامية والموتُ يخطف أهليكِ وأهلينا
يا جنّة الشرق يا حسناء غانية قد كنتِ بالأمس موسيقا وأغانينا
عضّي على الجرح يا بغداد صابرة بيروت تعرف ما فيها وما فينا
عضّي على الجرح يا بغداد واتعظي مَن أحرق الأرز لن يسقي بساتينا

لويس إقليمس
بغداد، في 5 آب 2020

عن ادارة الموقع

ادارة الموقع

شاهد أيضاً

” التخوف من كل جديد ” مسرحية قصيرة جدا .. بقلم .. ثائر الصفار

الزمن: العصر الحجري، او في اي زمان يكون هناك اختراع او اكتشاف جديد. المكان: كهف …