أنتشار الكثلكة وأنتشارها في سهل نينوى.. الحلقة الثالثة والثلاثون

ذكرنا سابقاً أن الكنيسة (1) برمتها الى ثلاث فئات منذ القرن الخامس الميلادي، فئة اتبعت تعاليم نسطوريوس، فئة اتبعت المذهب المنوفيزي الأرثوذوكسي – وفئة اتبعت قرارات المجمع الخلقيدوني، وهو المجمع الذي تبناه البابا (لاون) بابا روما، وتسموا بالخلقيدونيين- أوالكاثوليك لاحقاً – إلا أنهم رغم الأنشقاق الذي حدث وانفصال كنيسة المشرق الى مذهبين (نسطوري و ارثوذكسي) فقد كانت هناك محاولات جادة من ابناء هذين المذهبين، منذ البدء لاعادة الوحدة الى الكنيسة الواحدة، ولكن معظمها باءت بالفشل. الى حل القرن الخامس عشر الميلادي.

اذ أوفد البابا اوجينيوس الرابع – بابا روما – المطران قولاسايس الى قبرص لاقناع نساطرة قبرص للاتحاد مع كنيسة روما، فأفلح هذا المطران باقناع طيماثاوس مطران قبرص فأعلن صورة ايمانه الذي يعلن فيها اتحاده مع كنيسة روما. والتي تبدأ “انا طيماثاوس الطرطوسي (2) مطران الكلدان الذين في قبرص”, وقررها أمام المجمع اللاتراني. فاصدر اوجينيوس براءته المشهورة في 7 آب 1445م، التي تنص على تسمية النساطرة المتحدين مع كنيسة روما او المتكثلكين بالكلدان وجرت هذه التسمية منذ ذلك الحين، وكانت تلك أول محاولة ناجحة للاتحاد مع كرسي روما. أما المحاولة الثانية فقد ولدت نتيجة تصرف البطاركة الشمعونيين – النساطرة – بسنهم قوانين الوراثة، اذ اقروا حصر الجثلقة او البطركة بعائلتهم – عائلة ابونا – مما أدى الى أستياء أبناء الطائفة من ذلك. وبتدبير مسبق أجتمع وجهاء الطائفة في الموصل، فأختاروا (يوحنا (2) سولاقا من بيت بلو) رئيس دير ربان هرمزد، وتم أنتخابه بطريركا عليهم. ثم أرسلوا مزوداً برسائل الى البابا يوليوس الثالث وعندما وصوله الى روما في (18 تشرين الثاني سنة 1552م،تلقاه الحبر الأعظم ولفيف من الكرادلة بمزيد الحفاوة والأكرام وبعد نحو ستة أشهر في الأحد الجديد من سنة 1553م، أقامة الكرادلة مطراناً. ثم بعد ثمانية أيام ولاه البابا نفسه منصب البطريرك في كنيسة القديس بطرس أمام جماهير لا يحصى عددهم. وحينما عاد الى ديار بكر مقر كرسيه وشى به البطريرك النسطوري شمعون برمامام أي أبن ماما (المتوفي سنة 1558م)، الى حاكم عمادية ورشاه بمبلغ من المال فألقى القبض عليه عام 1555م، وزجه في ظلمات السجن. ثم خنقه حراسه سراً ورموا جثته ليلاً في النهر واذاعوا انه فر هارباً الى مكان مجهول.

الأرساليات الغربية التبشيرية
جاء الأباء الكرمليون (3) الى البصرة وبغداد عام (1622م) يتقدمهم الأب باسيليوس البرتغالي وفي سنة (1638م) اقم أول مطران منهم على بابل واصفهان. ثم غادروا بغداد والبصرة لتزايد الأعتداءات عليهم غير أنهم رجعوا أليهما بعدما تعهدتهم فرنسا بحمايتها. وكان البرتغاليون بعد سنة (1622م) قد شيدوا بيعة في البصرة. وفي عام (1652م) بنى فيها اعناطيوس النائب الرسولي كنيسة كبيرة بأسم العذراء مريم. وكانت في البصرة اذا ذاك أقليات مسيحية ثم تركت بيعة البرتغاليين وبقيت بيعة الكرمليين وعين رئيسهم في سنة (1679م) قنصلاً فرنسياً.

الأباء الكبوشيون
وفي سنة (1626م) وافى الأباء الكبوشيون (4) دار السلام. وكان ديرهم في محلة رأس القرية. قال الكاتب الايطالي اوربانو جبري: “للكبوشيين في بغداد كنيسة ودير وقد احرزوا نجاحاً عظيماً وفازوا بأعزاز المسلمين لمهارتهم في الطب والرياضيات. وكان يتردد الى كنيستهم من تبع الكنيسة الكاثوليكية من السريان والأرمن ويرسلون أولادهم الى مدرستهم”. وكان عدد المسيحيين في بغداد الف ومائتين نسمة. وفي سنة (1636م) جاءت فئة من الآباء الكبوشيين الى الموصل وشرعوا يطيبون سكانها فعاضدهم الأهلون غير أنهم تركوها سنة (1724م) كما غادورا بغداد عم (1708م).

الأباء الدومنيكيون
وأتى الأباء الدومنيكيون (5) الحدباء سنة (1750م) يتقدمهم الأبوان الأيطاليان فرنسيس طورياني وعبد الأحد كوديلنشيني وأخذ يتعلمان لغة البلاد ويطيبان الأهلين وبعد متاعب جمة وشدائد وافرة شيدت في الموصل كنيستان كاثوليكيتان احداهما كلدانية والأخرى سريانية.


فتح الدومنيكيون (6) أرسالية تبشيرية في الموصل في عهد ولاية الوزير حسين باشا الجليلي وقد أثمرت جهودهم في نشر الكثلكة بين أبناء كنائس الموصل وماحولها من القرى المسيحية مثل برطلة، كرمليس، قرة قوش، تلكيف، باطنايا، تلسقف، باقوفا، والقوش. فأنتشرت الكثلكة في الموصل فترك البطريرك أيليا الثاني عشر الموصل وانزوا في دير الربان هرمز، فرأى أن معظم أفراد طائفته قد تحولوا الى الكثلكة، وأنه سيفقد البطريركية فأقترحوا عليه أن يرجع للموصل ويصالح ويتفاهم مع زكريا الصائغ الذي كان يشغل أمين خزانة ولاية الموصل (كانت ولاية الموصل تشمل الموصل، أربيل، كركوك، والسليمانية). وكان يحكمها الجليلون من سنة (1715 – 1830م)، وكان زكريا الصائغ ذا نفوذ كبير في الولاية وصديقاً حميماً للوالي أحمد باشا الجليلي وكان مسموع الكلمة لديه وكان زعيم الكلدان الكاثوليك. وافق البطريرك أيليا الثاني عشر الى طلب الأتحاد وقبول الكثلكة في سنة (1756م)، وكان قد جرى هذا الأتحاد على الترتيب التالي فأنه بعد أن اقنع وجوه جماعة الموصل الكاثوليك وزعيمهم زكريا الصائغ أيليا البطريرك ويشوعياب ناطور الكرسي، قرّ الرأي أن يرحل يشوعياب المومى اليه صحبة الشماس كوركيس الصائغ وكيل البيع الى بغداد (7) لمقابلة السيد عمانوئيل المطران اللاتيني (الذي كان السفير البابوي في بغداد). وقدم بأسمه وبأسم عمه البطريرك صورة أيمانه ويطلب منه الحلة، وبعد مناقشات ومقابلات وافقوا على شروط هذا الأتحاد:

1 – أن ترفض البدعة النسطورية في كل أصولها وفروعها وتنظيف الكتب الطقسية من البدعة، وترفع منها أسماء رؤوساء النسطرة.
2 – المحافظة على شعائر الطقس الكلداني بكل دقة.
3 – التناول بالبرشانة الرقيقة.
4 – يحق للشمامسة الخدمة بدون الملابس الرسمية في أثناء صلاة الرمش.
5 – تبقى اللغة الكلدانية لغة الطقس والصلوات والقداس.
6 – نشأ استخفاف في السجداد الى الجبهة وشرعوا يسجدون برجل واحدة على عادة اللاتين.
7 – الغوا أيام الصوم ما خلا الصوم الباعوثة والصوم الكبير.
8 – كان في الكنائس اكواد مبنية في وسط الكنيسة وجلجلات في أخرها فهدمت مع ان لها رموزاً معتبرة.
9 – كان صورة العماذ بالأمر فاستبدلت بالصورة اللاتينية.
10 – كان المؤمنون واقفين أثناء القداس. اما الأن فيجلسون الا عندما يقرأ الأنجيل. والرفعات والكلام الجوهري. والتناول.

فأقتبل السيد عمانوئيل الوكيل البابوي هذا المشروع بكل فرح وسرور، وبشر الكرسي الرسولي بهذا الخبر. وأرسل هذا الأتفاق بصحبة الأب أوغسطين الكرملي الى البابا بندكس الرابع عشر رسالة البطريرك أيليا الثاني عشر وصورة أيمانه. ولما عاد مار يشوعياب والشماس كيوركس الصائغ الى الموصل ودخلوا بأبهه وأحتفال كنيسة شمعون الصفاء معاً، وأشتركوا في القدسيات وبقى هذا الأتحاد. ولكن البطريرك أيليا الثاني عشر ترك المقعد الكاثوليكي ورجع الى النسطرة، ولذلك هجر الكاثوليكيون زمناً كنيسة شمعون الصفا خوفاً من أشتراك مع النساطرة. وأستمر البطريرك أيليا الثاني عشر بأعتناق المذهب الكاثوليكي ورجوعه الى النسطورية عدة مرات، وأخيراً في سنة (1771م)، رجع الى الكثلكة. في سنة (1756م)، نشأ حزبان (8) متضادان في الكنيسة الكلدانية بين أبناء الطائفة في بدء كثلكتها في الموصل وقراها، الأول حزب المحافظين الذين لبثوا متمسكين بالرسوم والعوائد الطقسية، وكان زعيمهم الشماس كوركيس الصائغ وبنو عائلته. والحزب الثاني المستأصلين الذين كانوا يبتغون تدخيل عوائد طقسية جديدة ومتخذة من الموازنة أو اللاتين وأبطال الرسوم القديمة وكان منهم آل بيت الحلبي. وأستمر الخلاف طويلاً واخيراً نجح حزب المحافظين بزعامة آل الصائغ، وبقيت الطقوس الكلدانية ثابتة كما هي.

ومن أشهر ومن أعتنق الكثلكة في تلك الفترة هو القس خدر (9) بن المقدسي هرمز الموصلي وذلك عام (1723م)، وكان مديراً لمدرسة لفترة تزيد على الثلاثين عاماً في محلة ايشوعياب بالموصل. وقد تخرج على يده كهنة وشمامسة، وقد تأثر بقراءة كتاب (المرآة الجلية) الذي ألفه البطريرك يوسف الثاني آل معروف. كما أنه تأثر بأندراوس اسكند القبرصي الماروني الذي أرسل الى بلاد المشرق لشراء المخطوطات القديمة والتي نقلها الى المكتبة الفاتيكانية. فأراد البطريرك أن يكسب القس خدر بالوعود الجلية، ثم عامله بالتهديد والوعيد. فأضطر القس خدر الى مغادرة البلاد فلم يتمكن البقاء في الموصل بسبب ملاحقتة البطريرك أيليا الحادي عشر له، سافر الى روما سنة (1725م). وهناك عكف على الدرس والتأليف وألف كتابه (الترجمان) بالعربية والسريانية. وقصائد عديدة بالسريانية والعربية في مدح العذراء والكنيسة الرومانية والحبر الأعظم ومداريش وتعازي. وترجم الى العربية كتاب مدخل العبادة للقديس فرنسيس دي سالس. وتوفى في روما سنة 1755.

المصادر: (1) حنونا ص34-35. (29 بابو اسحق ص133. (3) بابو اسحق ص 124. (4) بابو اسحق ص 125 – 126. (5) ، (6) نفس المصدر ص 126. (7) نصري ج:2 ص222 – 223. (8) نفس المصدر ص 325. (9) حنونا ص 35 – الشرقية 3 ص 246.

الموسوعة الكلدانية – كتاب تاريخ الكلدان صفحة 113 – 117.

الناشر/ شامل يعقوب المختار

عن شامل يعقوب المختار

شامل يعقوب المختار

شاهد أيضاً

أجهاض جنين

كان الحُب . . حُب الروح . . حُب الجسد . . بين الأحضان والقبلات …