ثقافة التسامح*

بداية جوهر ومفهوم التسامح هو القبول بالتنوع الثقافى والاثني والاجتماعى وتقديره وحتى الدفاع عنه وبضراوه، واعتباره مصدرًا لثراء وسعادة المجتمع الكوني

وهذا هو ما يطلق عليه ثقافة التسامح والمحبه والاحترام المتبادل، وهى نقيض ثقافة العنصرية والتعصب والتشاحن والقتل.وعليه

فالعنصرية تقوم على الاعتقاد فى أفضلية شعب أو جماعة إثنية وسموها على ما عداها من شعوب أو جماعات، ويتسم هذا الاعتقاد بالإطلاق والجمود والتنافر والعداء، فهو يستند إلى أحكام مطلقة وعامة ويجب ان تتغير حسب ظروف الزمان والمكان.

فى هذا السياق، ينبغى التأكيد على أن مشاعر العنصرية والتعصب لا تقتصر على أبناء جنس أو دين بعينه، كما كشفت عن ذلك الأحداث التى وقعت فى بلاد مُختلفة مثل الهند وماينمار وسريلانكا وجنوب إفريقيا ورواندا والعراق، فعندما يعتقد أبناء أى فئة أو طائفة بأنهم أفضل من الآخرين بسبب لونهم أو ديانتهم أو مذهبهم، فإن ذلك يقود إلى التعصب وعدم المساواة والعنف.

وعليه

فقد أثارت التعليقات العنصرية التى صدرت عن جانب من جمهور كرة القدم الإنجليزى عقب المُباراة النهائية فى بطولة كأس الأمم الأوروبية (يورو) 2020 جدلا واسعًا حول ثقافة التسامح وأهمية إشاعتها والتأكيد عليها فى مواجهة الرواسب العنصرية السائدة لدى بعض أو كثير من الناس.

جاءت هذه التعليقات كإساءة بالغة إلى لاعبى الفريق الإنجليزى من ذوى البشرة السوداء الذين أضاعوا ركلات الترجيح فى المباراة بين إنجلترا وإيطاليا وهذه الحالات المؤلمه تحصل مع رموز كرة القدم في العالم باضاعة هذف ضربة الجزاء.

استدعت تلك التعليقات ردود فعل وإدانات قوية من رئيس الوزراء بوريس جونسون، ووسائل الإعلام الرئيسية فى المملكة المتحدة وأوروبا ومن أعضاء الفريق الإنجليزى أنفسهم.

جددت هذه الواقعة أيضا التفكير فى موضوع العنصرية فى مقابل ثقافة التسامح، وفى العوامل التى تؤدى إلى استمرار تلك المشاعر العنصرية. فالعنصرية تقوم على الاعتقاد فى أفضلية شعب أو جماعة إثنية وسموها على ما عداها من شعوب أو جماعات، ويتسم هذا الاعتقاد بالإطلاق والجمود، فهو يستند إلى أحكام مطلقة وعامة ولا تتغير حسب ظروف الزمان والمكان.

لذلك، فإنها تقود بالضرورة إلى التعصب والكراهية والقطيعة مع الآخرين مما يبرر العنف فى الأقوال والأفعال، وهى سمات ارتبطت بالآراء والتنظيمات العنصرية والمتطرفة فكريًا.

فى هذا السياق، ينبغى التأكيد على أن مشاعر العنصرية والتعصب لا تقتصر على أبناء جنس أو دين بعينه، كما كشفت عن ذلك الأحداث التى وقعت فى بلاد مُختلفة مثل الهند وماينمار وسريلانكا وجنوب إفريقيا ورواندا والعراق، فعندما يعتقد أبناء أى فئة أو طائفة بأنهم أفضل من الآخرين بسبب لونهم أو ديانتهم أو مذهبهم، فإن ذلك يقود إلى التعصب وعدم المساواة والعنف.

خاضت البشرية على مدى قرون نضالات فكرية وسياسية، وحروبًا دامية بين الدول وبداخلها لإقرار مبدأ المساواة بين البشر، والإيمان بأن هناك حقوقا ينبغى أن يتساوى فيها كل الناس باعتبارهم بشرا بغض النظر عن أى اعتبار آخر.

وهذا هو ما يطلق عليه ثقافة التسامح والمواطنة، وهى نقيض ثقافة العنصرية والتعصب.

وجوهر مفهوم التسامح هو القبول بالتنوع الثقافى والاجتماعى وتقديره، واعتباره مصدرًا لثراء المجتمع الفكرى والمعنوى.

فسنة الخلق والخالق هى التنوع، ومن آياته اختلاف ألسنة الناس وألوانهم وهيئاتهم وثقافاتهم. فقيمة التسامح هى قيمة مركزية أكدتها الأديان والرسالات السماوية، وذلك كما كتب المفكر الإسلامى الجليل الشيخ الدكتور على جمعة ذات مرة، وعلل لذلك بقوله: لأنها تستقى من معين واحد. فعلى الرغم من اختلاف الأنبياء العظام والأديان العظيمه، فإنها آمنت جميعها بقيمة التسامح والتعايش والمحبه المتبادله،

بصفتها من القيم الإنسانية والحضارية الضرورية لبناء المجتمعات المتماسكة.

وجملة

احبوا اعدائكم

وروح الانسانيه والاحترام المتبادل بين الشعوب وبث روح السلام والمواطنه الصحيحه فيها الوصف والمعنى

وإذا كانت القرون الماضية الغابره قد شهدت عديدا من الحروب الدينية والمذهبية، فإن ثقافة الدولة الوطنية

الحديثة أكدت روح المواطنة والرابطة الوطنية، والتعايش والسلام الاجتماعى بين التكوينات الاجتماعية والثقافات فى داخل الوطن الواحد. وأصبحت الرابطة الوطنية والمعيشة المشتركة هى الأساس فى بناء المجتمع، مع احترام حق أبناء كل دين أو طائفة فى ممارسة طقوسهم وشعائرهم بحريه تامه، وأن تتسم العلاقات بين أبناء الديانات المختلفة بالسلام والوئام، وألا ينشغل أبناء أى دين بدحض عقائد الديانات الأخرى أو الرد عليهاوفى ثقافة الدولة الحديثة، فإن الدساتي العالميه يجب ان تحمى الجميع فى التمتع بحقوقهم دون تمييز بين واحد وآخر وذلك فى إطار المساواة والقبول والاحترام المتبادل.

واتصالًا بذلك، أكدت منظمة الأمم المتحدة للثقافة والعلم والآداب اليونسكو أهمية قيمة التسامح، وأقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة بناء على قرار منها إعلان عام 1995 عامًا للتسامح وبإعلان يوم 16 نوفمبر من كل عام يومًا للتسامح. وأنشأت جائزة سنوية لتعزيز روح التسامح واللاعنف فى المجالات العلمية والثقافية. وحددت معنى التسامح بأنه، القبول واحترام التنوع الثرى لثقافات عالمنا، باعتبارها أشكال تعبيرنا وأساليب ممارستنا لإنسانيتنا، والذى يتعزز بواسطة المعرفة والانفتاح والتواصل مع الآخرين.

والتسامح بهذا المعنى، هو ليس مجرد قيمة فلسفية وغاية إنسانية نبيلة وحسب، ولكنه أيضًا ضرورة وجودية لتحقيق التماسك الاجتماعى والاستقرار السياسى. فالقبول العام فى أى مُجتمع بالتسامُح يتأسسُ على احترام حق كل فرد فى الرأى والاجتهاد، وأنه لا ينبغى منع مُفكر أو مُخترع ما من التعبير عن أفكاره حتى إن كانت مُخالفة لما هو شائع، فقد يثبتُ صواب الجديد وخطأ الشائع. وتاريخ العلم فى العصر الحديث هو قصة تحرير العقل وإتاحة الفرصة للنابهين للتفكير فيما هو جديد وطرحه على المُجتمع. وباليقين، فإن الدول والمُجتمعات الناهضة هى تلك التى تؤمن بالتسامُح العقلى وتفتح أبواب حُرية واسعًة.

وبذلك، فالتسامح ليس مجرد راية أو لافتة يتم رفعها فى المناسبات أو أغنية يرددها الناس فى الاحتفالات أو نصوص على الورق فى الدساتير والقوانين، ولكنه نهج حياة وممارسة اجتماعية يومية فى العلاقات بين الناس، وفى علاقاتهم بمؤسسات الدولة والمجتمع.فالعبرة ليست بوجود نصوص قانونية رائعة عن المساواة بين المواطنين ولكن بتطبيقها فى الواقع اليومى لحياتهم أى بتحويل النص القانونى إلى واقع معاش. لذلك، فعندما نكون بشأن تقييم حالة التسامح فى بلد ما، يكون الاعتداد بالأفعال والممارسات وليس بالنصوص والأقوال.

بقلم: د.خالد اندريا عيسى

*بحث شخصي

عن د خالد عيسى

Avatar

شاهد أيضاً

فنار كنيستي

فكرة وأمل . . صبر وأنتظار . . حان الأن الوقت والمكان . . بجهود …