كنيسة مسالمة وكنيسة متعاونة…الحلقة الثلاثون

كنيسة مسالمة
حاولت كنيسة المشرق (1) على مثال المسيح، أن تجتاز في الأرض محسنة الى الجميع، وأن تنشر المحبة والسلام والاخلاص حثيما وجدت. لكنها لم تلق دوماً تجاوباً من الناس. فاتهمها الفرس بموالاتها وجميلها للروم، ونظروا الى المسيحيين نظرة العداء والكراهية، لأن الظلمة تنفر من النور. واذا اتسمت بعض العهود الساسانية بشيئ من التسامح ازاء المسيحيين، فأن معظم ملوكهم اضمروا لهم العداء وحسبوهم غرباء واضطهدوهم. وكان العهد الساساني الأخير بزعامة كسرى الثاني ابرويز شديد الوطأة على المسيحيين. وتبعته فترة من الفوضى والارتباك والتنافس على السلطة. فمل المسيحيون من هذه الفوضى وهذا الظلم، وباتوا ينتظرون الفرج والاستقرار.
وما أن لاحت بيارق العرب المسلمين القادمين من الجزيرة العربية ووصلت ابواب المملكة الفارسية، حتى أنضمت اليهم القبائل العربية المسيحية من مناذرة الحيرة وغيرها وحاربوا جنباً الى جنب مع العرب ضد عدوهم المشترك، وافلحوا في اقتحام هذه المملكة ودحرها في معركة القادسية، واستقبل المسيحيون هذا النصر بأنتهاج وارتياح لثلاثة أسباب رئيسة:

اولاً – لآنهم ملوا من ظلم اضطهادهم المتلاحقة.
ثانياً – لأن لغة العرب الفاتحين متقاربة من لغتهم السريانية بل تنتمي كلتا اللغتين الى دوحة واحدة هي الأرمية.
ثالثاً – لأن الفاتحين كانوا على الأيمان باللـه الواحد، عكس الفرس المزديين.
فرحب المسيحيون بالعرب الفاتحين وحاولوا منذ بد هذا العهد الجديد أن يتعاونوا مع القادمين في بناء وطن جديد على أسس المحبة والعدالة والأحترام المتبادل. فعند فتح المسلمين مدينة الموصل حمل مار امه (2) الارزني المتوفي سنة 649 الميرة والارزاق الى جنود المسلمين وساعد رئيسهم عبد اللـه أبن المعتم على الفتح، وكتب له الخليفة علي بن أبي طالب كتاب توصية بالمسيحيين ورعاية ذمتهم.

كنيسة متعاونة
كان للانسانية (3) التي أتسم بها الخلفاء الراشدين تأثير كبير في نفوس رعاياهم الجدد من الفرس والروم. واعتمد معاوية بن أبي سفيان (4) والأمويون الأوائل في توطيد ملكهم وتوسيع فتوحاتهم على أهل الشام وسوادهم الأعظم يومئذ نصارى واستخدموا المسيحيين في مراكز مرموقة من الادارة لكونهم العنصر المثقف، فتمتع مسيحيوا المشرق بقسط وافر من الحرية لقاء تأديتهم الجزية والخراج.
قال الكاتب المشهور يوحنا بن فنكايي مامفاده: ” ازدهرت العدالة في أيام معاوية (662 – 680م). وعم السلام في كل البلاد الخاضعة لحكمه وتمتع الناس بحرية مطلقة “. وكانت اساليب التسامح والمعاملة الحسنة تختلف بأختلاف الخلفاء والعصور والاوضاع السياسية مع فترات من التزمت الديني. لكن تعاون المسيحيين مع الدولة بلغ حداً كبيراً في عهد العباسيين الأوائل الذين نقلوا مركز العالم السلامي الى بلاد الرافدين. فساهم المسيحيون في بناء الدولة الجديدة مساهمة فعالة. فساعد الخلفاء مسيحي العراق ووهبوا رؤوساء دينهم سلطة واسعة. فالجاثليق الجديد (5) بعد تنصيبه يسير بحفاوة الى دار الخليفة. وهناك يحظى بالأذن الشريف او بكتاب العهد الحاوي على حقوقه. ثم تُلقى عليه ثياب الجاثليق الثمينة، وبعد ذلك ينحدر الى المدائن مدينة كرسيه تصحبه قلة من الجنود وجماعة من المطارنة والأساقفة وعظماء الدولة، فيزور ضريح مار ماري في ديره. وبعد هذه المراسيم يرجع قافلاً الى كرسيه في عاصمة الرشيد. اما كتاب العهد او المنشور العالي او البراءة الأمامية فكان يشتمل على الحقوق والأمتيازات التي تمنحها السلطة المدنية للجاثليق وتخوله الحق في مراجعة السلطات في الشؤون المعلقة بالطائفة المسيحية. وكان توسيع الأدارة العباسية يتطلب أناساً مثقفين يقومون بأعباء الأدارة والدواوين والجباية والشؤون المالية.
وكان المسيحيون وحدهم يمتازون في ذلك الوقت بثقافة عالية. فقدموا للدولة كتاباً ومترجمين واطباء كثيرين. فزودت مدرسة جنديسابور العباسيين بخبرة الاطباء أمثال ال بختيشوع (6) فقد نبغ منهم أفاضل كانوا من أمهر أطباء زمانهم وخدموا الخلفاء العباسيين فأمروهم بالعطايا الثمينة والهديا الجزيلة وقربوهم منهم وجالسوهم ونادموهم وحادثوهم محادثة الأخوان فزعيم أطباء هذه الأسرة جيورجيسبن بختيشوع (المتوفي سنة 770م) ولما أعتل أبو جعفر المنصور أحضر اليه وكان اذ ذاك رئيس اطباء جنديسابور” فشفى الخليفة واقام ببغداد سنتين “.

وتلاه أبنه بختيشوع بن جيوجيس (المتوفي سنة 898م) طبيب الخليفة هارون الرشيد وخدم جبرائيل بن بختيشوع الأمين والمامون، الذين تعاقبوا في هذه المهنة الجليلة في البلاط العباسي، اما المترجمون فقد جاؤا بهم من مدارس الرها ونصيبين ودير قني وجنديسابور وساليق. وقد نقل هؤلاء المترجمون العديد من مؤلفات الطب والفلك والهندسة وغيرها من اليونانية الى العربية رأساً او عبور باللغة السريانية، اذ كان هؤلاء المترجمون يتقنون اللغات الثلاث. ونشطت حركة الترجمة خاصة في عهد المامون (+833) واشتهر في هذا الحقل حنين بن اسحق بصورة خاصة. وكان اذ ذاك على رأس كنيسة المشرق البطريرك طيمثاوس الأول الكبير (780 – 823) الذي عاش تحت حكم خمسة خلفاء متعاقبين وهم المهدي، الهادي، هارون الرشيد، الأمين والمامون، وعرفت كنيسة المشرق في عهده فترة هدؤء وأزدهار وامتداد نحو الخارج. واقام البطريرك العظيم علاقات حسنة مع الخلفاء والمسلمين عامة، ومع سائر الفئات المسيحية، وأكتسب أحترام الجميع لحسن أدارته ولعلمه الغزير وشخصيته الفذة.

المصادر: (1) التقويم شهر ايلول 1990. (2) تاريخ النصارى، روفائيل بابو اسحق ص57. (3) التقويم شهر تشرين الأول 1990. (4) تاريخ نصارى العراق، روفائيل بابو اسحق ص60. (5) نفس المصدر ص66. نفس المصدر ص81.

الموسوعة الكلدانية – كتاب تاريخ الكلدان صفحة 100 – 102

الناشر/ شامل يعقوب المختار

عن شامل يعقوب المختار

شامل يعقوب المختار

شاهد أيضاً

أنتشار الكثلكة وأنتشارها في سهل نينوى.. الحلقة الثالثة والثلاثون

ذكرنا سابقاً أن الكنيسة (1) برمتها الى ثلاث فئات منذ القرن الخامس الميلادي، فئة اتبعت …