تأريخ كنيسة المشرق – الحلقة التاسعة

الكنيسة: ليست البناء المشيد للعبادة، بل هي (جماعة المؤمنين بالمسيح).

لما ظهرت الديانة المسيحية وانتشرت في بلاد الشرق كانت اللغة السائدة اللغة الأرامية وهي اللغة التي تكلم بها يسوع المسيح وبشر بواسطتها بالديانة المسيحية.
كان الأراميون (1) قبائل رحل تنتقل منذ أقدم العصور في المنطقة الممتدة ما بين سواحل الخليج الغربية وشمال بادية الشام. وفي اوائل القرن الثاني عشر قبل الميلاد بدأت هذه القبائل في التمركز والاستقرار في مرتفعات غربي اعالي الفرات في منطقة جبل بشري (في سوريا) ما بين مصبي نهر الخابور والبليخ. واتخذوا من هذه المنطقة موطنا لهم. ومنها جاءت تسميتهم الاراميون – أي سكان المناطق المرتفعة – ولم يمر قرن من الزمان حتى بدأ الاراميون في الظهور كقوة مؤثرة في المنطقة. فأخذوا يوسعون رقعتهم الجغرافية ويزاحمون الدولة الاشورية والدولة البابلية فأسسوا ممالك عدة غربي الفرات منها مملكة دمشق وممالك اخرى شمال وغربي الخليج منها مملكة بيث- ياقين التي اتسمت بالقوة والاتساع اذ شملت الخليج بأسره حتى منطقة ملوخا في عمان (دولة عمان حاليا). كانت اللغة الاكدية بلهجتيها الاشورية والبابلية هي السائدة في ميسوبوتاميا. الا ان مع مرور الزمن ونتيجة عوامل عدة منها الحملات العسكرية على الممالك الارامية (وما نتج منها جلب الاسرى) والتجارة وغيرها، اخذت اللغة الارامية تتغلغل الى كافة مناحي الحياة في الدولة البابلية والاشورية، نتيجة سلاستها وسهولة تدوينها، حتى اصبحت هي اللغة الدارجة مما حدا بالملك سنحاريب (705-681 ق.م) ان يتخذها لغة رسمية للدولة الى جانب اللغة الاكدية، وظلت الارامية (التي اشتقت منها اللغات الكلدانية والسريانية والعربية) لغة التداول في منطقة واسعة من الشرق (ايران،ميسوبوتاميا، سوريا وجزءا من البلاد المصرية) للفترة من القرن السابع قبل الميلاد ولغاية القرن السابع الميلادي حين زاحمتها اللغة العربية واخذت مكانها تدريجيا.

واللغة الارامية الكتابية الفصحى الشائعة اليوم على لهجتين او لغتين اللغة الارامية الشرقية (الكلدانية) وهي لغة طقس الكلدان الكاثوليك والنساطرة واللغة الارامية (السريانية) وهي لغة طقس السريان الكاثوليك والسريان الارثوذكس والموارنة. والفصل الاعظم المميز لكل منهما اختلافهما باللفظ. فمثلا كلمة الاله يلفظها الكلدان آلا ها ويلفظها السريان ألو هو.

أشهر أدباء (2) اللغة الارامية القدامى الحكيم أحيقاء ومار برسرابيون وططيانس المتوفي سنة 180م
وبرديصان المتوفي سنة 222م وافرهاط الحكيم الفارسي المتوفي سنة 346م وغيرهم من ادباء اللغة الارامية أمثال مار يعقوب الرها ويعقوب اسقف نصيبين وقصائد الملفان مار افرام ويعقوب السروجي وبابا الكبير وجبرائيل اسقف هرمز ارداشير. وفي القرن الثالث الميلادي امتدت شعلة الشعب الارامي الى انحاء البلاد واتسعت رقعته. فأنبرى الشعراء ينظمون القصائد وهم يميزون بين الميامر (القصائد) والمدارش (المناظرات) والسوغيثات (الا غاني) فكان لكل منها ادوارها الخاصة تختلف طولا وعرضا في المقاطع والاوزان. ان كوكب ذلك القرن الزاهر امام الشعر الارامي الملفن مار افرام (المتوفي سنة 373 م).

فانه ابتكر الوزن الشعري السباعي وأبدع في أسلوبه أي أبداع. فتشاهده يتدفق فيه تدفقا كأنه الودق الركام ويحبكه حبكا كأنه الدر المرصوف واصفأ اغمض العقائد المسيحية وصف أعظم اللاهوتيين مؤيدا أدق الحقائق الدينية بلا تكلف ولا مشقة. فقد لقب بملفان الملافنة وافرام الكبير وعمود الكنيسة وكنارة الروح. وروى بعض المؤرخين أنه نظم اثني عشر الف قصيدة اكثرها من عيون الشعر الارامية.
ذكرنا سابقا ان مار توما الرسول (3) جاء من فلسطين الى بلاد ما بين النهرين وبشر بالديانة المسيحية وهو مؤسس كنيسة المشرق وسافر الى الهند وابقى تلميذيه مار أدي ومار ماري اللذين تفتخر بهما الكنيسة الكلدانية وتنسب اليهما القداس المستعمل عندها الى اليوم. ثم جاء مار ماري الى المدائن عاصمة الفرثيين وافلح في تأسيس الكنيسة الاولى في ساليق سميت بكنيسة (كوخي) لانها اقيميت في حي فقير من المدينة مكون من اكواخ يسكنها عمال رئيس البلاد. وقد اصبحت هذه الكنيسة منطلقا لنشر المسيحية في مناطق اخرى من وادي الرافدين. ويمكننا تحيد تاريخ أنتشار المسيحية في بلاد الرافدين في القرن الاول او مطلع القرن الثاني. كان الملك ابجر الخامس (4) ملكا على الرها فكتب الى السيد المسيح يدعوه اليه ليشفيه من داء النقرش الذي كان مبتليا به. فجاوبه يسوع المسيح أنه سيرسل اليه احد تلاميذه فاتى مار أدي الى الرها وهو من جملة الاثنين والسبعين تلميذا فشفى الملك ابجر ونصره مع زمرة من اهل مدينته. وكان لمار أدي عدة تلاميذ منهم مار ماري واكاي الذي اخذه معه وطاف في بلاد نصيبين واثور وبيت كرماي وتلمذ حلقا كثيرا وتوفي اخيرا ما أدي في الرها وخلفه هناك تلميذه اكاي. ولما توفي الملك ابجر تولى الملك بعده أحد اولاده وكان هذا قاسيا متمسكا بالوثنية فامر بقتل اكاي. اما مار ماري فبشر في نصيبين وبلاد حدياب كرماي ورادان وكشكر وساليق وميشان والاهواز ونصب كرسيه في ساليق وبنى كنيسة في دير قوني بالقرب من المداثن وفيها توفي ودفن فيها.كانت الرها (اورفا الحالية في تركيا)عاصمة مملكة صغيرة تدعى (اورهاي) تتمتع بحكم ذاتي تحت ظل سلالة الاباجرة.

وساهمت لغتها الارامية وثقافتها في تسهيل المهمة امام تلاميذ المسيح الاوائل الذين قصدوها، ومنها انطلقوا الى البلدان الجنوبية والشرقية من بلاد وادي الرافدين. الا ان الديانة المسيحية لم تنتشر بيسر في هذه البلدان الوثنية. فبعد بداية رافقتها الاعاجيب ثار عليها أنصار قوى الظلمة وحاولوا القضاء على هذا الدين الجديد الذي كان يهدد معتقداتهم وخرافاتهم، بما يقدمه الناس من المثل العليا والاخلاق الرفيعة. فلقي العديد من تلاميذ المسيح حتفهم على أيدي الوثنيين. ولكن الظلمة عجزت عن طمس نور الانجيل الذي اخذ ينتشر ويبدد الظلمات ويشرق في القلوب ليحررها ويخلصها. الا ان المقاومة الشديدة اضطرت المسيحيين الجدد الى العيش في نوع من الخفاء، دون ان يتمتعوا بحرية الوجود والعمل. ودامت هذه الحالة نحو قرنين. ووردت اشارات الى وجود المسيحيين في مختلف مناطق البلاد. وراحوا يبذلون الجهود لترسيخ كيانهم ونشر دينهم وثقافتهم. ومنذ منتصف القرن الثاني (الدياطسرون) اي الانجيل الموحد في ذلك العهد، ثم وضع برديصان (كتاب شرائع البلدان) الذي يمت بصلة الى بصلة الى المسيحية ويروي بعضا من تقاليدها.

المصادر: (1) حنونا2 ص40. (2) تقويم بطريركية بابل على الكلدان سنة 1990، شهر كانون الثاني.
(3) المصدر 2 كانون الثاني 1990.(4) ادي شير ص2. (5) التقويم شباط 1990.

الموسوعة الكلدانية الكتاب – تاريخ الكلدان صفحة 28 – 31.

الناشر/ شامل يعقوب المختار

عن شامل يعقوب المختار

شامل يعقوب المختار

شاهد أيضاً

أنتشار المسيحية في بلاد ما بين النهرين – الحلقة الثامنة

بينات التاريخ (1) والحقيقة أن المسيحية أنتشرت في ديار المشرق عن طريق الرها، بفضل رسل …