في أضطهاد يزدجرد الثاني للكلدان المسيحيين -الحلقة الثامنة عشر

1 – في أساقفة بيت كرماي (1)
أن بهرام الخامس مات 438 وقام بعده أبنه يزدجرد الثاني، واقتدى بأبيه في سياسته مع المجوس فأنه أنقاذ الى رأيهم وقلد أمر المملكة بيد ميهر نرسا الذي كان الد اعداء المسيحيين. ومما أمتاز به يزدجرد خاصة أضطهاد المسيحيين الذين في بيت كرماي وبلاشبار. أن قاعدة بيت كرماي كانت كرخ سلوخ وهي كركوك الحالية وأنتشرت فيها الديانة المسيحية منذ أوائلها كما سبق القول عن يد مار ادي ومار ماري وقد ذكرنا أيضاً الأساقفة والشهداء الذين في النصف الاول من الجيل الرابع سقوا بدمائهم اراضي هذه القطعة المباركة.

2 – شهداء بيت كرماي (2)
اتى في تاريخ كرخ سلوخ أن طهماز كرد وآذوربرزكرد وداستبرهام دخلوا مدينة كرخ سلوخ في 15 تموز فنكلوا بالاكابر والشرفاء واودعوهم سجناً ضنكاً واوفدوا جنودهم الى الاقطار ليقبضوا على المسيحيين ولما رأى مار يوحنان مطران المدينة ما الم بقطيعه كتب الى بطريرك انطاكية طالباً دعاءه ولبث في الكنيسة مع قطيعه الى العشرين من آب وفيه أمر طهمازكرد بالقبض عليه مع عشرة من أشراف المدينة والقوهم مكبلين في السجن وكان معهم عشرون الفاً من المسيحيين، واتى الجنود من بلاد أخرى بعدد لا يحصى من المسيحيين رجالا ونساء وكهنة وأساقفة منهم مطران أربيل مع كهنته وشمامسته وأسقف بيت نوهدار وأسقف معلثا ومطران شهركرد وأساقفة لاشوم وماحوزا اريون وحربات كلال ودارا مع اكليروسهم، وقيل أن عددهم بلغ 133000 نفر، وفي دخولهم المدينة كانت راية الصليب تتقدمهم وهم يترنمون بالمزامير فارتجت المدينة واضطرب الموهباط، ولما كان اليوم الرابع والعشرون من آب صعد طهمازكرد الى محل بيت تيثا وفيه عدة شهداء على أيام شابور الملك فمثل أمامه مار يوحنان مع الكهنة وأعيان المدينة فوضع قدامهم الات العذاب المهوله فدنا اسحق بن هرمزدكرد أحد اشراف المدينة من تللك الالات وقبلها قائلاً: السلام على الحديد فأننا به ندخل الملكوت، فغضب علية الموهباط وأمر الجلادين فأضجعوه على الأرض ودقوا اوتاداً بيديه ورجليه وسلخوا جلده بأمشاط حديدية وامر الموهباط بأحضار جميع المحبوسين ليشاهدا اسحق وهو في ذلك العذاب المؤلم لعلهم يفشلون فحضروا مسرورين وراية الصليب تتقدمهم وهم يترنمون بالمزامير، فأتى الجلادون بالنفط ودهنوا به عظام اسحق واطلقوا فيها النار، ثم أحضر المطران يوحنان (3) مصحوباً بداديشوع وشوحاليشوع وبختيشوع الكهنة وبستين أخرين وذهبوا بهم الى الوادي الذي بشرقي بيت تيثا فمنهم من قطعوا رجليه ومنهم من قطعوا لسانه ومنهم من فقئت عيناه ومنهم من سلخوا جلد رأسه ثم دهنوهم بالنفط واحراقوهم قاطبة. وكان أستشهادهم يوم الجمعة في 24 آب.
ولما كان الغداة اخرجوا الى ذلك المحل عينه ثلاثة الاف من مسيحيي المدينة منهم اسحق واسطيفان الكاهنان ورجما بالحجارة مع غيرهم من المعترفين ومنهم راهبتان رجمتا بالحجارة مصلوبتين ومنهم ابراهام وشمعون ومعهم عدد من الأعيان والأشراف فأجلسوهم في حفرة ورشقوهم بالسهام ثم احموا مسامير بالنار وشكوها في عيونهم والباقون ساموهم امر العذبات والموت.
ولما كان يوم الاحد اخرجوا الى ذلك المحل أيضاً 8940 معترفاً من الذين اتو بهم من المدن والقرى البعيدة والقريبة وفي مقدمتهم الأساقفة المار ذكرهم فولى طهمازكرد زهاء ثلاثة الاف من المجوس امر تعذيبهم وقتلهم فمنهم من احرق بالنار ومن قطع رأسه ومنهم من نشر بالمنشار ومنهم من رجم بالحجارة وفي الاخر اخذوا رؤوس الأساقفة بحد السيف. وأن امراة بجوار بيت زادوق أسمها شرين كانت في تلك الأثناء تخبز في بيتها فلما سمعت بتكليل الشهداء تركت العجين واخذت ولديها واحداً على كتفها والاخر بيدها واسرعت الى بيت تيثا ولما انتهت الى طهمازكرد قبضت على لجام حصانه وأستحلفته الا يمنعها من اللحاق بزمرة الشهداء فأستغرب هذا الامر العجاب وبدا يلح عليها ان تمسك عن رأيها ولما ابت امر بها وبأبنيها الكيبر فقتلا بالسيف فأنكب ابنها الصغير على جثتها وجثة اخيه يقبلهما باكياً فدعاه المجوس واخذوا يتملوقنه ويتحفوه بالهدايا واذ لم يجدوا الى ذلك سبيلاً ضربوا عنقه ايضاً. بنيت كنيسة مسكنتا (المسكينة) الكلدانية بالموصل في محلة الساعة على أسم الشهيدة شرين التي ذكرت هنا.
حينئذ أخذ (4) طهمازكرد يفكر في امر المقتولين وكيف انهم بطيبة نفس وفرح يقدمون أنفسهم للموت. وللحال ارعوى وصاح قائلاً: أنا أيضاً مسيحي وبلغ يزدجرد خبر تنصره فأمر بتعذيبه عذاباً شديداً واذ لم يفشل صلب منكس الرأس في 25 أيلول. وبنى مارون مطران كرخ سلوخ ديراً جليلاً في محل قتل هؤلاء الشهداء وهو موجود الى الان ويدعى بالتركية قرمزي كليسا أي الكنيسة الحمراء او كنيسة مار طهمازكرد وهي بشرقي كركوك على مسافة اقل من نصف ساعة ومنها وكل سنة في عيد هذا القديس الواقع 25 أيلول بقصدها مسيحيوا كركوك زرافات للتبرك من عظام الشهداء المدفونة هناك. قيل أيضاً عن مارون أنه وبابوي الجاثليق عقدا مجمعاً من أساقفة بيت كرماي وحدياب وقرورا أن يعيد لهولاء الشهداء ثلاثة أيام أي الجمعة والسبت والاحد من الاسبوع السادس من صوم الرسل وكذا اتى في تاريخ مشيحازخا غير ان هذا المؤرخ يذكر ان مطران كرخ سلوخ كان يوحنان الثالث وليس مارون والبائن أن قوله اصح فأننا نرى مار يوحنان مطران كرخ سلوخ حاضراً سنة 486 في مجمع مار اقاق الجاثليق فيكون أسم مارون تحريف يوحنان في تاريخ كرخ سلوخ.

3 – شهداء بلاشبار (5)
في تلك السنة التي قتل فيها طهمازكرد موهباط كرخ سلوخ كان آذورهرمزد موهباط بلاشبار قد أعتنق هو أيضاً مع أبنته الديانة المسيحية عن يد مار بيثون القديس. كان بيثون من أشرف العائلات هناك تنصر مع أبيه على يد عمه يازدين الذي أعتنق الديانة المسيحية وترهب في دير بيت ساهدي في كرخ سلوخ مدة 32 سنة فنضم بيثون الى عمه يازدين وسكن معه في الجبل اربع عشر سنة مقتدياً بفضائله وتقشفاته وكانت وفاة يازدين في صومعته في 21 أيلول وفيه يجعل له الكلدان تذكاراً. ومن بعد وفاته بدأ مار بيثون يطوف كل سنة بلاد ماسبدان وماداي وبيت دارايي وكوسايي ويتلمذ خلقاً كبيراً وذهب بقتوحاته الدينية الى ميشان ومهر كانقدق وبنى هناك أربع كنائس عظيمة.
اما آذورهرمزد موهباط بلاشبار فكان من مدينة بهشابور في فارس وكان شهيراً بين المجوس وله أبنه وحيدة أسمها أناهيد بديعة الجمال رشيقة القد فلما بلغ خبر تنصره مع أبنته الى مسامع الملك يزدجرد امر قائده آذوركرد أن ينطلق بجيشه الى هناك ويقبض على آذورهرمزد ويقتله وكان ذلك في السنة التاسعة ليزدجرد وهي السنة 446 للمسيح أي ستة اشهر بعد قتل طهمازكرد فقبض على آذورهرمزد ونكل به وقتله في 25 نيسان في بقعة قرية يثري في بلاشبار وفي تلك اليلة ذهب المسيحيون بجثته الى قلاية مار بيثون وقبر هناك بأكرام.
ثم أن آذورهرمزد كرد قبض أيضاً على اناهيد وبذل جهده في جلبها الى ارائه ولم يقدر فأوقع بها ضرباً على فمها ورأسها بقساوة وحشية حتى تورم رأسها ووجهها وتساقطت أسنانها واودعوها سجناً ضيقاً. وفي الغد عادوا الى تعذيبها فأوثقوا يديها تحت ركبتيها واخلوا خشبة تحت ابطيها وعلقوها هكذا منكسة الرأس وبقيت على تلك الحالة الليل كله، ثم ذهبوا بها الى الجبل الذي كانت تسكن فيه وتفننوا عذابها وهناك طارت روحها الى السماء. ثم قبضوا (7) أيضاً على بيثون وقتلوه اشنع قتله.

المصادر: (1) ادي شير ص122 (2) ادي شير ص124 (3) ادي شير ص125 (4) ادي شير ص126 (5) ادي شير ص126 (6) ادي شير ص127 (7) ادي شير ص128.

الموسوعة الكلدانية – كتاب تاريخ الكلدان صفحة 66 – 69.

الناشر/ شامل يعقوب المختار

عن شامل يعقوب المختار

شامل يعقوب المختار

شاهد أيضاً

أزدهار العلوم في كنيسة المشرق -الحلقة الحادية والعشرون

منذ قرون (1) عديدة قبل أنتشار المسيحية في بلاد الرافدين، كانت اللغة الأرامية قد أصبحت …