بغداد وقراها الكلدانية … الحلقة الحادية والثلاثون

يرتقي تأسيس بغداد (1) الى عهد الملك حمورابي (في القرن الثامن عشر قبل الميلاد) كما ورد أسم بغداد في لوحة مسمارية وجدت في مدينة سبار الأثرية يعود تاريخ تدوينها الى زمن الملك (الكيشي نازي مارتاش 1341-1316 ق.م).

وكانت اقليماً يسمى (بغدادي أو بيت كدادي (2)). كذلك جاء ذكرها في حوليات الملك تغلث بيلاسر الأول (1100 ق.م.). وفي الآجر المستخدم في أنشاء سد على نهر دجلة يعود تاريخه الى عهد الملك الكلداني نبوخذنصر الثاني (605 – 558 ق.م.) وكان أقليم بغداد من الأقاليم المهمة في الدولة الكلدانية يضم عدداً كبيراً من القرى والمستوطنات، وعندما سقط الدولة الكلدانية عام (539 ق.م) بيد الفرس، تدهور الأقليم، الا أن الساسانيين (3) سرعان ما ادخلوا عليه بعض التحسينات وجعلوه منتزهاً لهم، لحسن الحظ موقعه وطيب هوائه، وتوجوا فيه مؤسس دولتهم أردشير بن بابك (226 – 241م) وقد انتعش هذا الأقليم في أواخر العهد الساساني، فأنتشرت فيه معالم الحضارة وأزدهرت في قراه التجارة، اذ كان التجار يلتقون مطلع كل شهر لتبادل السلع فيما بينهم.

وكانت بغداد عامرة بالأديرة (4) ففي الكرخ كان دير شموني بأسم مؤسسته المدفونة فيه، وبالقرب منه دير الثعالب وفي شرقها دير الروم وخمسة أديرة منها ديران في خارج باب الشماسية وهما دير درمالس ودير مار جرجس. وتحت المحلات الجنوبية التي تحت قصور الخلفاء الدير القديم أو دير الزندورد. أن معظم هذه المباني قد تهدم في سنة (1226م). كما أن رهبان هذه الأديرة قضوا نحبهم أو تفرقوا أو تشتتوا. غير أن أغلب البساتين بقى يانعاً يقصده أهالي بغداد في أيام الأعياد، وبعد الحصار المغولي لم يبقى أثر لأي دير فقد زال عن اخره. وقد كان في بغداد الدير العتيق في موضع مصب الصرة الى دجلة وقد زال أيضاً.

المدارس في بغداد:
في تلك الأونة تقدمت العلوم لدى المسيحيين العراقيين وأزدهرت مدراسهم (5) أزدهاراً لامثيل له. فكانت في دير مار فثيون مدرسة واسعة وقد تقلد زمام رئاستها ردحاً من الزمن الأديبان الذائعا الصيت علي وأخوه عيسى أبناء داود. وكانت للمسحيين في الكرخ مدرسة أخرى نشأ فيها أبو محفوظ معروف بن الفيرزان المعروف بالكرخي. وذكر أبن القفطي أن الطبيب المنطقي البغدادي المختار بن الحسن بن عبدون المعروف بأبن بطلان قرأ الطب على علماء زمانه من مسيحيي الكرخ. وذكر أبن العبري أن الطبيب البغدادي يحيى بن عيسى بن جزلة درس الطب لدى مسيحيي الكرخ الذين كانوا في أيامه.

وكانت محلة دار الروم ودرب القراطيس وبيعة الكرخ المعروفة ببيعة سرجونا ودرب دينار وسوق الثلاثاء وغيرها مكاتب واسعة الأرجاء تضم بين جدرانها مئات من الطلاب. غير أن أكبر مدارس هذه الأنحاء مدرسة مار ماري المبنية بعيداً عن بغداد في دير قني. وقد نبغ فيها أعظم مشاهير علماء المسيحيين. هذه بعض المدارس المسيحية وتلك نهضة بغداد الأدبية في أيام الخلفاء العباسيين.

القرى الكلدانية (6) التي قامت في بغداد وضواحيها:
1- سونايا: قريو أشتهرت بالعنب الأسود. لما بنى أبو جعفر المنصور بغداد عام 762م أصبحت هذه القرية ضمنها وصارت محلة تعرف بالعقيقة القريبة من دير مار بيثون. وأصبحت بغداد مركز الخلافة العباسية وبقيت الى هذا اليوم عاصمة العراق.

2- براثا: (ضمن الشالجية حالياً) اصلها كلدانية (برثيا) أشتهرت بعمرانها وأبنيتها. وقد ذكرها ياقوت الحوي، وبهاء الدين الأربلي.
3- قطفتا: أنشات بعد تاسيس مدينة المنصور بالقرب من مقبرة دير يدعى (دير كليليشوع) على ضفاف نهر عيسى ودجلة وحالياً تقع بالقرب من المشاهدة.
4- درتا: وأصل الكلمة (دورتا) أي الدائرة وموقعها الى شمال شرق الكاظمية.
5- ورثال: وتقع اليوم بين محلتي الشيخ جنيد والشالجية بجانب الكرخ.
6- كليليشوع: أشتهرت بديرها الذائع الصيت المبني بين الرياحين والجنان الخضراء وبساتين النخيل الكثيفة، تقع حالياً حيث توجد مقبرة الشيخ معروف الكرخي. اذ كانت هذه المقبرة فيما مضى مقبرة الدير. وقد دفن فيها الشيخ معروف أبن الفيزران أبو محفوظ المشهور بالكرخي عام 816م.
7- الشماسية (7): كانت من قرى بغداد المهمة، أشتهرت بعمرانها وأسواقها وطرقها وحدائقها الغناء، أضافة الى مرصدها الفلكي العالي، كانت تجاور سوق الثلاثاء، وقد دمرها الخليفة المستعين باللـه علم 865م لكنها نهضت من كبوتها وأستعادت عافيتها وعادت أديرتها تزدهر بالرهبان فترة من الزمن، حتى جاء المغول فدمروا معظم مبانيها عام 1226م وشتتوا رهبانها، فتفرقوا أو قضوا نحبهم ولم يبق أي أثر للدير فيها، لكن بساتينها ظلت يانعة يؤمها كثير من الناس من مسيحيين وغيرهم، وتقع حالياً شرقي بغداد.
8- سوق الثلاثاء: كانت واسعة رحبة الأرجاء، تنتشر فيها القصور العالية والمدارس، أصبحت في وقت ما المركز التجاري لبغداد، فقد زارها أبن بطوطة سنة 1326م، وتقع اليوم بين جامع الحيدرخانة وجامع المرجان.
9- دار الروم (8): كانت تقع بجوار الشماسية في الرصافة، وسميت بهذا الأسم لأن الخليفة المهدي اتى بأسرى حرب الروم بين سنة 775 – 785م، وأسكنهم في هذا الموقع، فشيد لهم كنيسة يقيمون فيها الصلاة كما كان العرب أيضاً يطلقون على المسيحيين كلمة الروم، وتقدمت هذه المحلة على تمادي الأيام في البناء والعمران فكان فيها قصر الجاثليق، وبعض الأديرة.

المصادر: (1) حنونا ج:2 ص23. (2) نفس المصدر ص23. (3) نفس المصدر ص23. (4) بابو اسحق ص76. (5) نفس المصدر ص 76-77. (6) حنونا ج2: ص23. (7) مراصد الاطلاع 2-124. (8) نفس المصدر ص24.

الموسوعة الكلدانية – كتاب تاريخ الكلدان صفحة 103 – 105.

الناشر/ شامل يعقوب المختار

عن شامل يعقوب المختار

شامل يعقوب المختار

شاهد أيضاً

أنتشار الكثلكة وأنتشارها في سهل نينوى.. الحلقة الثالثة والثلاثون

ذكرنا سابقاً أن الكنيسة (1) برمتها الى ثلاث فئات منذ القرن الخامس الميلادي، فئة اتبعت …