الحب الجميل وديمومته

الحب .. هذا الشعور الرائع الذى يجمع بين الكائنات وتحديدا المرأة والرجل.. شعور متوهج يجعلهما يعيشان فى عالم واجواء دافئه سعيده وفريده ومن الممكن لن تتكرر.  

لحظات استثنائية قل أن يجود بها الزمان  

هى أشبه بجائزة من جوائز الحياة ومن السماء.. فمن يفوز بها ويعيش فى غمارها يعرف حقا مذاق لذيذ للسعادة العسليه  

كيف نحافظ على هذا الحب؟  

كيف ندفع عنه المخاطر والأزمات التى يمكن أن تعصف به وتجعله فى خبر كان؟  

كيف نجعله صلبا صلدا يستمر ولا يخبو او يختفي فيضيع وسط ركام الحياة؟  

سؤال صعب بالتأكيد.  

.وربما أيضا سؤال قديم وجديد فى آن واحد .  

. نطرحه هنا لعلنا نجد سوية ومعاً إجابة عنه..بالطبع لا نملك وصفة سحرية مضمونة ولكن لا بأس من المحاولة  

فى البداية لابد أن نعترف بأن هذا الحب الفريدالحقيقي والانساني .. وهذه اللحظات الاستثنائية الرائعة رغم قوتها وعنفوانها وتوهجها المبهر.. هشة وضعيفة جدا .. تحتاج إلى الرعاية الدائمة والتوازن .. مثل المولود الصغير الذى جاء لتوه إلى العالم .. فهذا الحب عندما يصطدم بالأزمات والمحن يمكن أن يضيع ويتبخر وينتهى فى لحظة واحدة  

ولأن مشاكل الحياة لا تنتهى .. ولأن الأزمات تأتى فجأة وتطرق أبواب حياتنا .. ونجد أنفسنا فى غمار مواقف صعبة ثقيلة قد تفسد مشاعر الكينونه والحب .. بل وقد تقضى عليه لو لم يتمتع الطرفان ــ المرأة والرجل ــ بعقل ناضج وحكمه ونفس سمحة ورغبة قوية فى مواجهة ومقارعة هذه الظروف الصعبة .. وهذه الظروف لا تعنى فقط المشكلات المادية والأزمات الخارجية بل تعنى أيضاً وبصفة خاصة هذه الحياة الشخصيه والنفسيه المشتركة التى تجمعهما.. فقدرة الطرفين على التكيف معا والتعايش الراقى فى غمار هذه الحياة بكل ما فيها من تفاصيل ربما تكون سخيفة فى بعض الأحيان لكنها تقتضى منهما الوقوف بحزم والسمو والتغاضى عن بعض التصرفات الصبيانية الانيه والمتهوره الصغيرة  

الأمر إذن يحتاج إلى الصبر والتحمل والمشقة.. فما أسهل عند أول مشكلة تواجه البشر أن ينهى العلاقة ويغلق صفحة من صفحات حياته هكذا بسهوله وببساطة ومن دون اكتراث .. ويتنفس الصعداء ويقول فى سعادة وزهو متباهياً وبسخف بأنه قد استرد حريته.. ومع قرار الرحيل والهدم والإحساس بالحرية لايدرك المرء أنه بتصرفه هذا يقتل بيديه البعد السعيد الوحيد فى حياته..  

نعم فما أسهل الهدم .. وما أصعب البناء.. ولكن كيف نحافظ على استمرار الحب والحياة السعيده ونمضى فى حياتنا في نمو وثقه وبناء وهدوء؟  

برأيى أول هذه الأمور هى رغبة الطرفين فى الاستمرار فى الحياة المشتركة .. فالعاطفة هنا تأتى من الجانبين.. وحينما يفتر الحب لدى أحد الأطراف .. حينما تتراجع مشاعره.. يحدث ما نطلق عليه الشعور بالملل وعدم الاكتراث٬ وهذا الشعور هو العدو الأول للحب ..فعندما يشعر طرف بأن الحب صار حصاراً وورطة..والحياة أصبحت عبئا ثقيلا لا يقوى عليه.. فهذه علامة خطر وجرس إنذار ينبغى الالتفات إليه جيدا قبل فوات الأوان.. نعم عندما يدخل الملل أبواب وجدران بيت الزوجية يدخل معه الشقاء.. لابد إذن من البحث عن أمور مبهجة جديدة تعيد الرونق للحياة الزوجية.. مفاجآت لطيفة غير متوقعة من شريك الحياة.. قد تكون مجرد لفتات بسيطة لكنها تحمل معها دلالات مؤثرة .. ربما رحلات قصيرة بصحبة الأصدقاء..هدايا صغيرة تعبر معها عن الاهتمام ..أو حتى كلمات وعبارات تعكس مشاعر إيجابية صارت قليلة بينهما لانغماسهما فى مشاغل الحياة ..المهم هنا هو طرد الشعور بالسأم بعيداً عن ضفاف حياتهما..  

ومما يجعل الحب يتراجع فى الحياة الزوجية عدم المشاركة فى تحمل المسئوليات المختلفة التى تفرضها الحياة.. وهى كثيرة فى الحقيقة.. سواء كانت أعباء مادية أو رعاية الأطفال ومتابعة شئونهم .. أو إدارة البيت .. إلخ. وكما يقولون كى يسير المركب فى البحار آمنا ينبغى أن تجدف اليدان معا .. تحمل الزوجين معا للمسئولية يجعل العاطفة مستمرة .. ربما بصورة مختلفة عن أيام الرومانسية الأولى لكنها تصبح عاطفة ناضجة ومتفهمة..  

حتى يستمر الحب ينبغى المحافظة على هامش من الحرية بين الشريكين.. قدر من الاستقلالية.. ومعه قدر من الثقة وإلا فإن العلاقة سوف تتحول إلى مطاردة بوليسية ..كل طرف يراقب الآخر ويتابع هاتفه وكلماته وكل تحركاته وهنا تصبح العلاقة خانقة .. غير محتملة.. وفى هذه الأجواء الاستخبارية لا يمكن أن يستمر الحب .. هذه المساحة من الحرية تسمح للعلاقة بالتنفس والاستمرار بل والبقاء فى أجواء صحية ..  

ولأن المطاردات بين الطرفين تخلق جواً من التربص بل والعداء فى بعض الأحيان.. عداء جدير بأنه مهدم ويقتل معه كل المشاعر الجميلة التى كانت تجمعهما فى يوم من الأيام .. الأمر يتطلب هنا الحديث بشكل مباشر وصريح لمحاولة بث الطمأنينة والثبات فى حالة وجود شك أو عدم ارتياح لأمر ما.. فالتطرق للمشكلة بصراحة ودون مواربة هو العلاج الأمثل والسريع الذى يعمل على رأب الصدع..  

ونشير هنا بوجه عام إلى صعوبة العلاقات الإنسانية واستمرارها فى أجواء طيبة مريحة نظرا لأن النفس البشرية بالفطرة تعانى العقد النفسية والتناقضات التى تجعل الحياة عسيرة ومملوءة بالمشكلات ، فما بال العلاقات الزوجية الطويلة التى تتطلب معها الصبر والنفس الطويل والرغبة الصادقة فى التغلب على المشكلات والأزمات .. صفات قد لا يحظى الكثيرون بها فى الحقيقة..  

فى أحيان كثيرة يستمر الزواج لسنوات طويلة رغم توارى مشاعر الحب .. لأن أحد الزوجين أو كليهما يختار الاستمرار حفاظا على استقرار الأسرة .. وهذا بالتأكيد سلوك محمود.. ولكن لا مانع من أن يرتبط بمحاولة تجديد الحب والعاطفة.. حتى لا يعيش الزوجان مع شعور بأنهما ضحية.. ويتعاملان مع حياتهما على أنها مجرد سلسلة من التضحيات فى سبيل الآخرين حتى لو كانوا الأبناء ..  

وتبقئ الاجابة عن السؤال الصعب رهن ارادة الشريكين وقدرتهما على ابداع الحلول.

بقلم: الدكتور خالد اندريا عيسى

عن د خالد عيسى

Avatar

شاهد أيضاً

القداس الالهي هو قلب الحياة المسيحية

ان القداس ليست ظاهرة اصغاء وحضور وانما هي فرصة لقاء ومناخ إلفة وحوار وتبادل وتفاعل …