جوهرة و كتاب

كان رجل كبير متقاعد يكفيه راتبه من عيش وملبس وسكن، زوجته ماتت قبله، أولأده كلهم تزوجوا وأنجبوا أولاد وبنات وأصبح له أحفاد وتوزعوا في محافظات البلاد طلباً للعلم العمل، وهذه هي مسيرة الحياة، لا نعرف أين نولد، وفي أي بلد نموت.
هذا الرجل كان محتفظاً منذ زمان بجوهرة براقة في غاية الحٌسن والجمال، وكتاب قديم مهتري، أورقة صفراء، ولكن حروفه صامدة عبر مرور أكثر من مائة عام. فقرر أن يبيع هذه الجوهرة، ليوزع من ثمنها الى أولاده، ويذخر مبلغاً ليوم وفاته ودفنه.
في اليوم التالي ذهب الى شارع الصاغة والمجوهرات، دخل أول محل صادفه، وبعد التحية والسلام، قال الى الصائغ: لديه جوهرة أعرضها لك للبيع. قال الصائغ: أنا أشتريها منك، لما أخرجها الرجل من جيبه وسلمها الى الصائغ، أنبهر بها الصائغ وقال: سوف أدفع أي ثمن للحصول عليها، والمفاجئة والصدمة الكبيرة للصائغ قبل الرجل بعد فحصها لعدة مرات ومرات، قال للرجل المتقاعد: هذه شبه الجوهرة فيها لمعان فقط ولا تساوي أي ثمن، وأنا لا أكذب عليك، أنت رجل كبير ووقور بعمر أبي. أنت في السوق أذهب وعرضها على بقية الصاغة، وكم يدفعون لك أن أعطيك أربعة أثمان من قيمتها، لكي أكد لكَ كلامي بأني صادق معك، ولكن أطلب منك أن تعود اليه فأستمع منك الجواب. بالفعل ذهب الرجل الى أكثر من محل وكان جوابهم واحد وصحيح، لا ثمن وقيمة لجوهرة، وعاد الى الصائغ الأول وأبلغه كما وعده بأن يرد له الجواب. وشكره على صراحته وكلامه الصادق، ومهارة وأتقان عمله.
قال الصائغ: أرميها في الشارع أو في مزبلة الانقاض. أجاب الرجل الذي غز شعر رأسه الشيب: لم أرميها، حتى لا ينغش بها من يعثر عليها، بل سوف أخذها وأطحنها بالمطرقة، ولكن بدون غضب وقوة بل بكل رقة وعطف وحنان، وأتذكر سنوات الأحتفاظ بها، بعد ذلك أنثرها في الهواء وتعود الى التراب، مثل الأنسان بعد موته يعود الى التراب.

بعد أنتهاء فتره قضاء حزنه وفقدان أمله بالجوهرة والمال، ولكن شعلة الأمل بالحياة موجودة فيه وقال: غداً أخذ الكتاب القديم لبيعه في شارع الكُتب والمكتبات، بعد أن وصل الشارع عرضه الى أكثر من بائع ولم يشتريه أحد منه، ودار حديث مع بائع أخر حول مضمون الكتاب، وليس عن شكله المهتري، وكان بقربهم بائع شاب بارق في الذكاء يسمع حديثهما، وتبين أنه طالب جامعي، يعمل ويدرس، قال له أستاذ: أنا أشتري الكتاب، والثمن الذي تطلبه قبل أن أقرأ مضمونه، فرجعت البسمة والفرحة الى الرجل، وهو في فكره الجوهرة لم تجلب ثمنها، فهل يكون الكتاب أثمن منها. فقال الرجل هذه هديه مني لك وسوف أكتب أسمي عليه ليبقى ذكرى مني لكَ، ولكن لديه طلب، قال الشاب المؤدب: نعم يا أستاذ: بعد قراءة الكتاب أن عجبك لم تبيعه، بل أعيد طبعه لتربح أكثر من ثمنه، أنا لم يبقى من العمر شيئ، وعاد الرجل الى البيت بفرح وليس بحزن، ولم يأخذ الكتاب معه الى البيت لكي لا يمزق ويحرق أوراقه كما فعل بالجوهرة، لآن كان يعرف قيمته ويستفاد كل من يقرأ مضمونه، وبين الحين والأخر يتذكر الجوهرة والكتاب.

بعد أشهر جاءته فكرة، نشر أسمه في جريدة في صفحة الوفيات، وأرسل صديقه الى شارع الكُتب ومعه نسخة من الجريدة، يذكر الشاب بأن صاحب الكتاب قد مات. فحزن الشاب كثيراً، ولكن كان على العهد والوفاء وطبع الكتاب، وأضاف فقط كلمة شكر وأهداء في بداية الكتاب لذلك الرجل.
أما الرجل المتقاعد بين الحين والأخر كان يذهب الى شارع الكُتب والمكتبات، ولكن متنكر الشكل والأوصاف حتى لا يعرفه الشاب بعد أن تأكد أن الرجل مات وقرأ أسمه في صفحة الوفيات.
جاء اليوم الذي في المفاجئة الكبرى، شاهد الرجل كتابه مطبوع بورق أبيض وشكل أنيق، وغلاف متين، وهو متنكر قال الرجل المتقاعد للشاب: هل لديك كُتباً جديدة وحديثة الأصدار؟ أجاب الشاب وقال: أستاذ عندي كُتب من زمانك لتعود الى أيام شبابك. أجاب الرجل: كلها قد قرائتها تقريباً، هل لديك كتاب حديث الطبعة لهذا العام.
قال نعم أستاذ: هذا الكتاب، والرجل بحيره من أمره وأخذ يتصفح الكتاب، وقرأ كلمة الشكر والأهداء التي كتابه الشاب في مقدمة الكتاب، تمالك أعصابه وحسرة دموعة بين أجفانه، حتى وصل أخر صفحة من الكتاب، مكتوب فيه مثل (ليس كل معدن يلمع هو ذهب وفضة).
ولم يتحمل الرجل من حبس شجونه ودموعه قال له: أنت أبني كُنت صادقاً ووفياً، اليوم قبضت ثمن كتابي بكلمتك الصادقة، الرب يبارك أبوك على تربيكَ، وأنت رضعت حليباً نقياً من ثدي أم طاهرة.

فقال الشاب: أني قرأت في الجريدة خبر موتك، قال الرجل: أنا نشرت أسمي لكي أتأكد من كلمتك. أشكرك يا عمي، وهذه المرة لا يقول له: يا أستاذ على هذا الكتاب القيم الذي تعلمتُ منه الكثير، وسوف أهدي اليك هذه المجموعة من الكتاب لكي توزعها على أولادك وأحفادك وأصدقائك.

الفرق بين الذهب والفضة والجوهرات، والمعادن الثمينة تعلق في مناطق مختلفة من جسم الأنسان أن كانت أمرأة أم رجل، والأموال تأتي وتذهب وتدخل الجيوب والمحفظات وتتحول من مصرف الى مصرف، وبعد الموت تترك الى الاولاد والأحفاد. ولكن مضامين الكُتب تدخل وتخزن في العقول والأفكار لهذا توارث الشعوب قبل وبعد الميلاد كُتب الأنبياء والرسل والديانات والمعتقدات والفلاسفة والشعراء من أفلاطون وارسطو وديكارت والكندي والجاحظ، وهي موجود ومحفوظة في أعلا رفوف المكتبات في المتاحف والمدراس والكليات والجامعات.

رحمة اللـه على ذلك الرجل الذي تعلمنا من حكمته في الحياة، وصدق كلمة الشاب التي كانت رمز العهد والوفاء.

شامل يعقوب المختار

عن شامل يعقوب المختار

شامل يعقوب المختار

شاهد أيضاً

شهداء كلدو والاهواز – الحلقة الرابعة عشر

1 – مار شمعون برصباغي الجاثليق (329 – 341) ورفاقه الشهداء (2) أن أول الشهداء …