عيد المحبول بها بلا دنس

“آدم، أين أنت؟” قال الله وهو يبحث عن آدم في الجنَّة. إنَّها ليست صرخة تهديد لسَيدٍ عَصى. إنَّها دعوة أبْ لا يريد أنْ يضيع أولاده. إنَّها صرخة أو ترنيمة الله الّذي يبحث عن البشريَّة المخلوقة حديثًا والّتي يريد أنْ يعهد إليها بِمُهمَّة: “أنْ يسكُن الأرض ويحرسها، وللقيام بذلك، يريد الله أن يباركهم أولاً”. هذا ما تقوله القصَّة الكتابيَّة. هكذا تقول قصَّة الخلق أشياء كثيرة أكثر مما نتوقَّعه مِنْ خلالِ قراءة سطحيَّة، إنَّها قصَّة دعوة الله للإنسان كي يبقى في صُحبتِه.

لكن الإنسان رفض تلك الصُحبة وأراد أنْ يجعل نفسه سيّد كالله. مع هذا يحزن الله على فقدان هذه الصُحبة، فيقول كاتب سفر التكوين بما نفهمه مِنْ قراءتنا عندما يخرج أجدادنا مِنَ الجنَّة الّتي فيها الاطمئنان، ليبدأوا المغامرة الأرضيَّة، يخبرنا الكتاب المقدّس، أنَّ الله صنعَ لهُما لباساً مِنَ الجلد، وجَهَّزَهُم بالحُبِّ، وعهَدَ إليهم بالمهام والبركات: “وسمَّى آدم امرأته حوَّاء، لأنَّها أُمُّ كُلِّ حيٍّ. وصنع الرّبُّ الإله لآدم وامرأته ثياباً من جلدٍ وكساهُما” (تكوين 3: 20-21).

كُل ما قاله الله لآدم وحواء وإنْ كان على شكلِ عقابٍ: “بعرَقِ جبينِكَ تأكلُ … بالأوجاء تلدين البنين”، لكن هناك ما زال الله يمنح الكرامة للرجل لأنَّه سوف يأكُل بِعرقِ جبينِه، وللمرأة كرامة الأُم، ستكون أخيراً أُمّاً، أي حاملة الحياة، سيكونان، الرجل والمرأة، حُرّاس الحياة.

واليوم في عيد المحبول بها بلا دنس، يَتم تقديم مريم العذراء أُمَّنا، على أنَّها الّتي تُرحِّب وتنتَظر وتتَعاون بنشاط، لكي يتَحقَّق حلم الله. بقلبٍ مَملوء مِنَ الحُب والانفتاح على الحياة، قالت له أولاً نعم. بقبولِها اقتراح الله، ستبقى خطيبة مار يوسف وتُصبح أم يسوع الّتي حبلت به بقوَّة الروح القدس.

المحبول بها بلا دنس نُسميها نحن المسيحيون. والملاك يدعوها ممتلئة نعمة: وهو نفس الشيء. في مريم، تتَجلّى إنسانيَّة الله العظيمة، وهي عظيمة لأنَّها قادرة على وهبِ كُلِّ الحُب الّذي يعرف كيفيَّة احتواء القلب والروح البشريَّة والتَعبير عنه – مريم العذراء – قادرة على الترحيب بالله بالكامل إلى درجةِ أنْ تحمله في رحمِها. إلى حَدِّ إعطائه وجهًا ولحمًا وجسدًا، إلى درجة أنْ تلده كابن العلي. في بيت لحم وعلى الجلجلة.

تخبرنا مريم في هذا عن قيمة ورسالة كُل حياتنا: أنْ نصبح قادرين على مثال الله. وتحدثنا مريم عن وقت يبدأ فورًا، قادر على إظهار إنسانيَّة حقيقيَّة طاهرة، كما تخبرنا عن احتماليَّة وجود أرض لم تعد تتَسمَّم بلدغةِ الأفعى، تتَحدث إلينا وتبيّن لنا أنَّ هناك حياة أفضل وأكثر عدلاً، وبالضرورة أقل عنفًا وأقل عنصريَّة وأقل شرًا وكذبًا وأقل فسادًا وأقل كرهاً، ليس فقط ممكنًا ولكن هذا يجب أنْ يكون بمثابة رسالتنا اليوميَّة إذا أردنا أنْ نكون مرَّة أُخرى “على صورة الله ومثاله”. تخبر مريم العذراء وتقول للجميع، تقولها قبل كل شيء للسياسيين من كل لون وكل بلد: يجب أن يكون هناك مجتمع أقل أنانيَّة وعنصريَّة وفساد.

إنَّ عيد مريم الطاهرة يُحيي فينا الجوع والحنين إلى النعمة والجمال والوئام. الرغبة في إعطاء شكل لصورة الأبناء الّتي رسمها الآب في كُلِّ واحد منّا، وتحرير كل الأُمور الإيجابيَّة والقدرة على عمل الخير الّتي زرعها في أرواحنا.

يذكّر عيد الحبل بلا دنس البشريَّة بأنَّ هناك شيئًا واحدًا يلوث الإنسان حقًا وهو الخطيئة. إنَّها رسالة عاجلة للغاية يجب الإنتباه إليها. لقد فقد العالم الشعور بالخطيئة. يتحدَّث عن الخطيئة، حتى أكبر الخطايا، في مصطلح نقص في المحبَّة: الذنوب، الرذائل، الُمعانات. يَتم استخدام تعبير الخطيئة الأصليَّة في لغة الإعلان للإشارة إلى شيء مختلف تمامًا عن الكتاب المقدّس: خطيئة تضفي لمسَة مِنَ الأصالة على أولئك الّذين يرتكبونها!

العالم خائف مِنْ كل شيء ما عدا الخطيئة. إنَّه خائف من تلوث الغلاف الجوي، ومن الحرب الذريَّة، ومِنَ الإرهاب اليوم. لكنه لا يخاف مِنَ الحرب ضد الله الأبدي، القدير، المُحب، بينما يقول يسوع: “لا تخافوا الّذينَ يَقتُلونَ الجسد، … خافوا الّذي له القدرة بعد القتل على أن يُلقي في جهنّم” (لوقا 12: 4 – 5).

يؤثر هذا الوضع البيئي أيضًا بشكلٍ كبير على المؤمنين الّذين يريدون أيضًا العيش وفقًا للإنجيل. يحاول المجتمع أن يُدخل فيهم تخديرًا للضمير، نوعًا مِنْ التخدير الروحي. هناك تخدير خاطئ، لم يعد المسيحيون يتعرَّفون على عدوهِم الحقيقي، السيد الّذي يحتفظ بِهم عبيداً، فقط لأنَّهم وقعوا في عبوديَّة ذهبيَّة. الكثير مِنَ الّذين يتَحدَّثون عن الخطيئة لديهم فكرة غير كافيَّة على الإطلاق عنها. فهم ينزعون الطابع الشخصي للخطيئة ويُسقطونها فقط على الآخرين؛ وينتهي الأمر بِهِم إلى تعريف الخطيئة من خلال مواقف الآخرين وكأنَّهم هُم فقط الأبرار ولا خطيئة لهم. لهذا إذا قمنا بإستفتاء عن معنى الخطيئة في فكر الناس، فانَّ ذلك من شأنه أنْ يؤدي إلى نتائج تُخيفنا.

فبدلاً مِن تحرير أنفسنا مِنَ الخطيئة، تتركز كُل جهودنا اليوم على تحرير أنفسنا من نَدم الخطيئة. بدلاً من مُحاربة الخطيئة، نحارب فكرة الخطيئة، ونستبدلها بفكرة مختلفة تمامًا وهي الشعور بالذنب. نفعل ما يعتبر في منطقة أُخرى أسوأ شيء على الإطلاق، وهذا هو إنكار للمشكلة بدلاً من حلِّها، من ثَمَّ نقوم بدفعِ الشر ودفنه في اللاوعي بدلاً من إزالته. كمَن يظن أنَّه يقضي على الموت، أو يقضي على فكرة الموت، أو كمَن يهتم بوقف الحمى، دون أن يهتم بالمرض، إلخ من الأُمور ناسين أنْ نُعرض أنفسنا إلى الطبيب الإلهي الشافي. قال القديس يوحنا: “وإذا قلنا إنَّنا بلا خطيئة خدعنا أنفُسَنا وما كان الحقُّ فينا … وإذا قُلنا إنَّنا ما خطئنا، جعلناه (الله) كاذبًا” (1 يوحنا 1: 8-10).

في الواقع، يقول الله عكس ذلك، يقول أننا قد أخطأنا. يقول الكتاب المقدس أنَّ المسيح مات من أجل خطايانا (راجع 1 كورنثوس 15: 3). فداء المسيح ذاته أزال الخطيئة وأبطلها، ودمر معنى موته. لقد سفك المسيح دمه من أجلِ خلاصنا.

لهذا عقيدة الحبل بلا دنس تخبرنا أيضًا بشيء إيجابي للغاية: أن الله أقوى من الخطيئة وأنه: “حيثُ كَثُرَتِ الخطيئةُ فاضت نعمة الله” (رومة 5: 20). مريم هي العلامة وضمان هذا الكلام. الكنيسة كلها، خلفها، مدعوّة لأن تصير: “مجيدة لا عيبَ فيها ولا تَجَعُّدَ ولا ما أشبه ذلك، بل مُقدَّسةً لا عيب فيها” (أفسس 5: 27). هكذا نقرأ في نص المجمع الفاتيكاني الثاني الذي يقول: “لمَّا كانت الكنيسة، بشخصِ العذراء الكلّية الطوبى، قد بلغت الكمالَ بلا كلف ولا غضن (أف 5: 27)، فإنَّ المؤمنين لا يزالون يجدِّون لينعموا في القداسة بإنتصارهم على الخطيئة: لهذا فإنهم يرفعون عيونهم إلى مريم التي تتلألأ مثالاً للفضائل، أمام جماعة المختارين. وإذا ما فكَّرَت الكنيسة بتقوى في مريم وتأمَّلت فيها على ضوءِ الكلمة المتجسِّد، فإنها تُدخلها بكلِّ إحترامٍ وتَعَمُّقٍ إلى صميمِ سرِّ التجسُّد وتتمثل أكثر فأكثر بعريسها. فمريم هي الحاضرة فعلاً في الحميم من تاريخ الخلاص، لتُجمَعَ فيها وتُعْكَسَ بطريقةٍ ما متطلبات الإيمان العظمى؛ وإذا ما كانت بالنسبة إلى المؤمنين موضوعَ مديحٍ وتكريمٍ، فإنَّها توجِّههم إلى إبنها وذبيحته، وإلى محبة الآب” (وثيقة الكنيسة العدد 65).

بقلم: الاب سامي الريس

عن الاب سامي الريس

Avatar

شاهد أيضاً

الكنيسة الكاثوليكية ترفض الشذوذ الجنسي Catholic Church reject homosexuality النظرة المسيحية الى الشذوذ الجنسي في اللاهوت الكاثوليكي للجنس. نحن لا نكره الخاطئ إنما نكره الخطيئة التي يرتكبها والتي تشكل جرحا في جسد الكنيسة والمجتمع.

“أَمْ لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ الظَّالِمِينَ لاَ يَرِثُونَ مَلَكُوتَ اللهِ؟ لاَ تَضِلُّوا: لاَ زُنَاةٌ وَلاَ عَبَدَةُ …