الام تيريزا وجائزة نوبل للسلام….د.خالد عيسى

لنستعيد ما قالته الأم تيريزا أثناء تلقيها جائزة نوبل للسّلام: لقد عشت الفقر لأفهم الفقراء لذا أفضّل فقر شعبنا على هذه الجائزة.
دخلت القاعة الفاخرة التي تعج برؤساء الدّول وكبار السّياسيين والمسؤولين. وقفت وسط المدعوين والمدعوات مرتدية الساري الهندي بلونه الأبيض وخطوطه الزّرقاء. على الرّغم من قصر قامتها وصغر بنيتها كانت محطّ إهتمام كل الموجودين. إنّها الأم تيريزا الرّاهبة المتواضعة. ببساطتها المعتادة وقفت الأم تيريزا وسط الحضور لاستلام جائزة نوبل للسّلام في عام 1979 ولتوصل رسالة محبّة للعالم.
إليكم نصّ تلك الرّسالة التي أثّرت في الحاضرين آنذاك ولا تزال تشكّل إلهامًا للملايين من حول العالم:
لقد أحبّكم يسوع المسيح وأحبّني أيضًا وأعطانا حياته إلّا أن ذلك لم يكن يكفي بنظره حيث لم يتوقف عن القول:”أحبّوا بعضكم بعضًا كما أنا أحببتكم.” ولكن كيف يمكننا أن نحب؟ المحبّة تكمن في العطاء. لقد أعطانا يسوع حياته. وهو دائم العطاء. يغمرنا بالنّعم من كل ناحية وصوب في حياتنا. لم يكن موت يسوع من أجلنا كافيًا بالنّسبة له حيث أرادنا أن نحب بعضنا البعض وأن نرى صورته في كل شخص نصادفه، لهذا كان الرّب يقول:” طوبى لأنقياء القلوب لأنّهم يعاينون الله.”
وللتّأكد من أنّنا فهمنا قصده قال لنا قبل موته بساعة إنّه ستتم محاسبتنا نظرًا لما قمنا به تجاه الفقراء، الجياع، العراة، والمشرّدين. لقد جعل الله من نفسه ذاك الجائع، العاري، والمشرّد. إلّا أنّه لم يكن جائع الجسد وحسب بل في داخله حاجة للمحبّة. لم يكن يحتاج إلى لباس يكسو جسده وحسب بل إلى كرامة الإنسان. لم يكن يحتاج إلى غرفة تأويه لا بل لمن يشعره بأنّه غير منسي وأن هناك من يهتم لأمره وأنه ليس نكرة. لقد أرادنا أن نتلفّت إلى ذاته الموجود داخل كل شحص نسي ما هو الحب الإنساني وما هي لمسة الحنان ومعنى أن تكون محبوبًا من أحدهم قائلًا: “كل ما تفعلوه بأحد إخوتي هؤلاء الصغار بي أنا قد فعلتموه.”
من الجميل جدًّا أن نتقدّس بهذا الحبّ، القداسة ليست محصورة بعدد قليل من الأشخاص، إنّها واجب بسيط يقع على عاتق كل واحد منّا، ومن خلال هذا الحبّ نتقدّس.
أمام هذا الحب لبعضنا البعض والآن وأنا أتلقّى هذا التّكريم أشعر بأنّي لا أستحق كل هذا. لقد عشت الفقر لأفهم الفقراء لذا أفضل فقر شعبنا على هذه الجائزة. إلّا أنّي ممتنّة وسعيدة جدًّا لتلقي جائزة نوبل للّسلام باسم الجياع، العراة، المشرّدين، المكفوفين، المجذومين، المُبعدين عن مجتمعهم، الذين يشكّلون عبءً على المجتمع، والذين يخجلون من الجميع…
إن فقراءنا أشخاص عظماء محببين. إنهم لا يحتاجون إلى شفقتنا وتعاطفنا، بل يتوقون إلى حبّنا المتفهّم. يحتاجون إلى إحترامنا وإلى معاملتهم بكرامة.
إن الفقر العظيم ليس بعدم توفّر المال بل الإفتقار إلى الكرامة. لا أنسى تلك اللّحظة التي أحضرت فيها ذلك الرّجل المشرّد إلى المركز. كان يفترش الطّرقات وتُغطي جسده اليرقيات. كان وجهه هو الجزء الوحيد غير المتّسخ من جسمه. عندما أحضرنا الرّجل إلى المركز ليموت بكرامة قال لنا:”لقد عشت كحيوان في الشّوارع إلّا أنّي سأموت كملاك”. وهذا ما حصل فعلًا حيث أسلم الرّوح وسط جوٍّ من المحبّة والرّعاية. لقد رحل إلى بيته، إلى الله. فالموت ليس إلّا الذّهاب للمكوث إلى جانب الله. بعد أن فرح ذاك المشرّد بهذا الحب، بشعوره بأنه شخص مرغوب به، بأنه يعني شيئًا لشخص آخر في اللّحظة الأخيرة دخلت البهجة إلى حياته.
أشعر أنّه عليّ أن أتشارك وإياكم حقيقة أن المدّمر الأكبر للسّلام في أيامنا الحالية هو بكاء وصراخ الأطفال الذين يتم إجهاضهم. فإن كانت الأم قادرة على قتل طفلها الذي ينمو داخل أحشائها، فليس هناك ما يمنعنا نحن من أن نقتل بعضنا البعض.
وهذا ما ذكر في الكتاب المقدّس :”هل تنسى المرأة رضيعها فلا ترحم ابن بطنها حتى ينسين ولا أنساك. هوذا على كفي نقشتك أسوارك أمامي دائمًا.”
لذلك، أصلّي اليوم أن تُدخل الحقيقة الصّلاة إلى بيوتكم ومن خلال الصّلاة تدركون وجه المسيح في كل فقير. عندها يبدأ الإيمان الحقيقي ونبدأ بمحبة بعضنا البعض. سنحب وسنود أن نصنع تغييرًا داخل منزلنا في البداية ثم مع جيراننا ليطال التّغيير البلد الذي نعيش فيه والعالم بأسره. فلنتوحّد جميعنا في هذه الصّلاة، إن الله قد أعطانا الشّجاعة لحماية الأطفال الذين لم يولدوا. فالطّفل هو أعظم هدية من الله أعطاها للعائلة فالوطن فالعالم كلّه.
بارككم الله!
بكلماتها البسيطة والمتواضعة تمكّنت الأم تيريزا من تذكير المجتمع المخملي بالحقيقة البسيطة التي عادة ما تنسى أو يُصرف النّظر عنها: كل حياة تستحق أن تعاش. إن
حياة كل إنسان مميّزة لدى الله لذا إننّا مدعوون لأن نحب من دون شروط.

بقلم : الدكتور خالد عيسى

عن ادارة الموقع

ادارة الموقع

شاهد أيضاً

سيرة النبي اشعيا الجزء الثاني

النبي اشعيا يعتبر من أعظم انبياء العهد القديم فأسلوبه الأدبي الرائع يعتبر أجمل ما ورد …