كرامة* الإنسان في التطويبات ووصايا* الرب يسوع المسيح …… الكرامة كما وردت في الكتاب المقدس

الكرامة هي حق الفرد في أن تكون له قيمة وأن يُحترم لذاته، وأن يُعامل بطريقة أخلاقية وتقدير، وهو موضوع ذو أهمية في كل من علم الأخلاق والقانون والسياسة وامتداد لمفاهيم حقوق الانسان وحقوقه القانونية.

كل إنسان يمثل في ذاته قيمة سامية ومطلقة، لأنها من ابداع الله الخالق، “وَقَالَ اللهُ: نَعْمَلُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا، فَيَتَسَلَّطُونَ عَلَى سَمَكِ الْبَحْرِ وَعَلَى طَيْرِ السَّمَاءِ وَعَلَى الْبَهَائِمِ، وَعَلَى كُلِّ الأَرْضِ، وَعَلَى جَمِيعِ الدَّبَّابَاتِ الَّتِي تَدِبُّ عَلَى الأَرْضِ، فَخَلَقَ اللهُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ. عَلَى صُورَةِ اللهِ خَلَقَهُ. ذَكَرًا وَأُنْثَى خَلَقَهُمْ” (تكوين 26:1ـ27)، يبدو أنّ عبارة (كشبهنا) تخفف من معنى كلمة (صورتنا) فتنفي المساواة في الطبيعة بل أعطاه الله نفساً وكرامة تقتضي أن يكون سيد الأشياء وسيد ذاته لأن الله خلقه وميّزه بالعقل والإرادة والحرية، وهذا ما يجعله مسؤولاً عن أعماله ومصيره، وبذلك تكون كرامة الإنسان و منزلته الاجتماعية تستند الى العلاقات الإنسانية بين البشر الانهم متساوون في الكرامة أمام الله، ويبقى الدرس الذي يجب استيعابه هو حماية الإنسان وصيانة كرامته كونه صورة الله ومثاله هذه الوديعة الموكلة إلينا جميعا كأمانة يجب ان نصونها.

كرامة الانسان اصطلاحا: الكرامة اسماً من الإكرام، والتكريم الحقيقي هو إكرام الله للإنسان بالإيمان، وفي العزة والاعزاز، والكرامة.. تدل على الصفة الذاتية والفعلية معًا، كدلالته على معاني الحسب والعظمة والسعة والعلو والرفعة والاحترام والتقدير وما الى ذلك من صفات الذات، وصفة الفعل هو الصفح والمغفرة، أما الأكرم.. فهو المنفرد بكل ما سبق في أنواع الكرم الذاتي والفعلي، فالله هو الأكرم له عظمة الوصف.

الكرامة وردت في الكتاب المقدس: يستمد الإنسان هويته وكرامته من الله، لأنه مصدر وجوده، وخلقه على صورته ومثاله، وفي نفس الوقت يحدد الكتاب المقدس بعض عدم التشابه حيث الميّزةَ بين الخالق والمخلوق المختلف في الجوهر “الَّذِي وَحْدَهُ لَهُ عَدَمُ الْمَوْتِ، سَاكِنًا فِي نُورٍ لاَ يُدْنَى مِنْهُ، الَّذِي لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَقْدِرُ أَنْ يَرَاهُ، الَّذِي لَهُ الْكَرَامَةُ وَالْقُدْرَةُ الأَبَدِيَّةُ. آمِينَ”(1 تي 6: 16) تظهر الكرامة الإنسانيّة حين ننتبه إلى حاجاتنا والأخرين بالاحترام والتقدير لإنسانيّتنا وعمقها اللّامحدود الذي يفوق كلّ ما مكتوب، يقول البابا يوحنّا بولس الثاني: “إن ما يُطلب منّا هو أن نعامل بالمحبّة والإكرام لحياة كلّ رجل وكلّ امرأة، ونسعى الى ذلك بثبات وجرأة، ونحن في زمان تسوده إمارات الموت”، **وثيقة الحياة 77

العهد الجديد يُذكِّر جميع البشر بوحدتهم كأخوّة وقد حقق لهم المسيح وبالتساوي نعمة الخلاص فسِرّ التجسد يوضح لنا إلى أي حدٍّ أكرم الله الطبيعة البشرية، وقد أراد لها في ابنه أن تتّحد بطبيعته، وهكذا تمّ الاتحاد لكل إنسان بصورة الله الذي لا يُرى ولتتجلى ذات الله فيه. لذلك يطلق العهد الجديد عبارة صورة الله على الإنسان، “فَإِنَّ الرَّجُلَ لاَ يَنْبَغِي أَنْ يُغَطِّيَ رَأْسَهُ لِكَوْنِهِ صُورَةَ اللهِ وَمَجْدَهُ. وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَهِيَ مَجْدُ الرَّجُلِ”(1كو 7:11) وإن وصية المسيح “فَكُونُوا أَنْتُمْ كَامِلِينَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ هُوَ كَامِلٌ.” (مت 5: 48)، انه الارشاد الذي يحقق الكرامة.

كرامة الانسان في مبادئ التطويبات ووصايا الرب يسوع حقا انها شريعة حقوق الانسان: وَلَمَّا رَأَى ٱلْجُمُوعَ صَعِدَ إِلَى ٱلْجَبَلِ، فَلَمَّا جَلَسَ تَقَدَّمَ إِلَيْهِ تَلَامِيذُهُ. فَفَتَحَ فَاهُ وعَلَّمَهُمْ قَائِلًا طُوبَى: بها افتتح الرب يسوع عظته، بالتهنئة، لأنه أتى ليردَّ للبشر كرامتهم وسعادة فقدوها بسبب الخطيئة، فجعل الفرح جميعه في كلمة “طوبى” وهي كلمة آرامية الأصل، تعني “ما أسعده، هنيئًا له”، والى يومنا هذا نرى أن مبادئ ملكوته الجديد قد انارت للعالم طريق السلوك السوي، فقد أجمع البشر ومفكريهم بأن تطويبات ووصايا المسيح هي “دستور أخلاقي، ومعيار سلوك المؤمنين، ومقارنة بين قيم العالم في الإيمان، وانها الأفضل في تاريخ كرامة الانسان وحقوقه، وعنها قال البابا بندكتوس السادس عشر “تعبّر التطويبات التي أعلنها يسوع، عن كمال المحبة الإنجيلية التي ما برحت حية على مدى التاريخ الكنسي. فيها يشرح المسيح، الوصايا العشر، وشريعة العهد، مكملاً معناه النهائي”.

“طُوبَى لِلْمَسَاكِينِ بِٱلرُّوحِ، لِأَنَّ لَهُمْ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَاوَاتِ”، المسيح يرى أن ملكوت السماء للمساكين بالروح، لأنهم سيملكونه معه، كان ذلك في عظته في الناصرة: “الرب مَسَحَنِي لِأُبَشِّرَ الْمَسَاكِينَ” (لوقا 4:18). “طُوبَى لِلْحَزَانَى، لِأَنَّهُمْ يَتَعَزَّوْنَ”، الذين هم وسط مصائب الحياة وخصها للحزانى والتعزية الإلهية لهم، الذين يحزنون على الخطايا، “حزن العالم ينشئ موتًا، وأما الحزن الذي بحسب مشيئة الله فينشئ توبة لخلاص بلا ندامة” (2 كو 7: 10)، إنه يأمرنا أن نحزن ليس فقط على أنفسنا، بل من أجل شرور الآخرين، نعم يجب ان نحزن عن خطايا لا تخصّنا الله تعزية وإن حلّت بنا الأحزان فإن ما يقدّمه الله أعظم بكثير جدًا ممّا نتحمّله من أتعاب.

“طُوبَى لِلْوُدَعَاءِ، لِأَنَّهُمْ يَرِثُونَ ٱلْأَرْضَ”، الذين يرثون الأرض هم المسامحين الودعاء في ملكوت المسيح رأى هذه الحقيقة داود النبي فقال: “بَعْدَ قَلِيلٍ لَا يَكُونُ الشِّرِّيرُ. تَطَّلِعُ فِي مَكَانِهِ فَلَا يَكُونُ. أَمَّا الْوُدَعَاءُ فَيَرِثُونَ الْأَرْضَ، وَيَتَلَذَّذُونَ فِي كَثْرَةِ السَّلَامَةِ” (مز 37:10، 11).

“طُوبَى لِلْجِيَاعِ وَٱلْعِطَاشِ إِلَى ٱلْبِرِّ، لِأَنَّهُمْ يُشْبَعُونَ”، هم الذين لا يبالون بالغنى المادي، ولا يشتهون كثيراً خيرات هذا العالم، بل يجوعون ويعطشون إلى البر السماوي لأجل نفوسهم ولأجل من حولهم، “هَكَذَا قَالَ السَّيِّدُ الرَّبُّ: “هُوَذَا عَبِيدِي يَأْكُلُونَ وَأَنْتُمْ تَجُوعُونَ. هُوَذَا عَبِيدِي يَشْرَبُونَ وَأَنْتُمْ تَعْطَشُونَ” (إش 65:13).

“طُوبَى لِلرُّحَمَاءِ، لِأَنَّهُمْ يُرْحَمُونَ”: خصَّها الذين ينالون من الله الرحمة ومن الناس المراعاة، يقول الرب يسوع إن الذين يُرحمون هم الطيبون الذين يراعون الناس وهم الذين يخضعون للآخرين في ملكوته ينال الرحماء الرحمة، “اَلرَّجُلُ الرَّحِيمُ يُحْسِنُ إِلَى نَفْسِهِ” (أم 11:17)، “مَعَ الرَّحِيمِ تَكُونُ رَحِيماً” (مز 18:25).

“طُوبَى لِلْأَنْقِيَاءِ ٱلْقَلْبِ، لِأَنَّهُمْ يُعَايِنُونَ ٱللهَ”: أليس هو العلي الذي لا يُرى، قال الرب يسوع: “مَا مِنْ أَحَدٍ رَأَى اللهَ قَطُّ. وَلَكِنَّ الابْنَ الْوَحِيدَ، الَّذِي فِي حِضْنِ الآبِ، هُوَ الَّذِي خَبَّرَ عَنْهُ”(يوحنا 1:18) مع ذلك أن اشتهاء الإنسان لمعاينة الله أمر رعوي وفطري والرب يسوع يرى أن أنقياء القلب هم الذين يعاينون الله، وعن القلب النقي قال داود النبي: “لِأَنَّ الرَّبَّ عَادِلٌ وَيُحِبُّ الْعَدْلَ الْمُسْتَقِيمُ يُبْصِرُ وَجْهَهُ مَنْ يَصْعَدُ إِلَى جَبَلِ الرَّبِّ، وَمَنْ يَقُومُ فِي مَوْضِعِ قُدْسِهِ؟ اَلطَّاهِرُ الْيَدَيْنِ، وَالنَّقِيُّ الْقَلْبِ”(مز 11:7 ).

“طُوبَى لِصَانِعِي ٱلسَّلَامِ، لِأَنَّهُمْ أَبْنَاءَ ٱللهِ يُدْعَوْنَ”: أبناء الله هم الذين يصنعون في العالم سلاماً أحد أركان ملكوت الله بالطاعة. ومع البشر بالمحبة، “لأَنَّهُ هُوَ سَلاَمُنَا، الَّذِي جَعَلَ الاثْنَيْنِ وَاحِدًا، وَنَقَضَ حَائِطَ السِّيَاجِ الْمُتَوَسِّطَ، أَيِ الْعَدَاوَةَ. مُبْطِلًا بِجَسَدِهِ نَامُوسَ الْوَصَايَا فِي فَرَائِضَ، لِكَيْ يَخْلُقَ الاثْنَيْنِ فِي نَفْسِهِ إِنْسَانًا وَاحِدًا جَدِيدًا، صَانِعًا سَلاَمًا”، (أف 2: 14، 15) “وَثَمَرُ الْبِرِّ يُزْرَعُ فِي السَّلَامِ مِنَ الَّذِينَ يَفْعَلُونَ السَّلَامَ” (يع 3:18).

“طُوبَى لِلْمَطْرُودِينَ مِنْ أَجْلِ ٱلْبِرِّ، لِأَنَّ لَهُمْ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَاوَاتِ”: الرب يسوع يرى أن ملكوت السماوات هو للمطرودين من أجل البر، لأنهم مساكين بالروح، وحزانى، وودعاء، وجياع، وعطاش، وأنقياء القلوب، ومسالمون، العالم يجتنبهم ويخرجهم من المجتمع، فيعوِّضهم الله بإعطائهم ملكوت السماوات.

“طُوبَى لَكُمْ إِذَا عَيَّرُوكُمْ وَطَرَدُوكُمْ وَقَالُوا عَلَيْكُمْ كُلَّ كَلِمَةٍ شِرِّيرَةٍ، مِنْ أَجْلِي، كَاذِبِينَ. اِفْرَحُوا وَتَهَلَّلُوا، لِأَنَّ أَجْرَكُمْ عَظِيمٌ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ، فَإِنَّهُمْ هَكَذَا طَرَدُوا ٱلْأَنْبِيَاءَ ٱلَّذِينَ قَبْلَكُمْ”، الرب يسوع يوجه كلامه للسامعين وتلاميذه، ويقول لهم طوبى لكم تشجعوا أنتم تلاميذ مؤمنين، وأعطاهم الطريق التي يسلكونها المليئة بالألم والضيق والعذاب والموت. وان يتحملوا كشركاء معه في المجد “فَإِنْ كُنَّا أَوْلاَدًا فَإِنَّنَا وَرَثَةٌ أَيْضًا، وَرَثَةُ اللهِ وَوَارِثُونَ مَعَ الْمَسِيحِ. إِنْ كُنَّا نَتَأَلَّمُ مَعَهُ لِكَيْ نَتَمَجَّدَ أَيْضًا مَعَهُ.” (رو 8: 17)

“هذِهِ هِيَ وَصِيَّتِي أَنْ تُحِبُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا كَمَا أَحْبَبْتُكُمْ” لاَ أَعُودُ أُسَمِّيكُمْ عَبِيدًا، لأَنَّ الْعَبْدَ لاَ يَعْلَمُ مَا يَعْمَلُ سَيِّدُهُ، لكِنِّي قَدْ سَمَّيْتُكُمْ أَحِبَّاءَ لأَنِّي أَعْلَمْتُكُمْ بِكُلِّ مَا سَمِعْتُهُ مِنْ أَبِي. (يو 15: 15) اعطى الرب يسوع وصية، المحبة لتلاميذه ولنا، وهي مكملة (للتطويبات)، تطلب من المؤمنين، أن يشتركوا في محبة الله والقريب، “وَعَرَّفْتُهُمُ اسْمَكَ وَسَأُعَرِّفُهُمْ، لِيَكُونَ فِيهِمُ الْحُبُّ الَّذِي أَحْبَبْتَنِي بِهِ، وَأَكُونَ أَنَا فِيهِمْ” (يو 17: 26)، “كَمَا أَحَبَّنِي الآبُ كَذلِكَ أَحْبَبْتُكُمْ أَنَا. اُثْبُتُوا فِي مَحَبَّتِي.” (يو 15: 9)، وبحسب يوحنا، “اَللهُ لَمْ يَنْظُرْهُ أَحَدٌ قَطُّ. إِنْ أَحَبَّ بَعْضُنَا بَعْضًا، فَاللهُ يَثْبُتُ فِينَا، وَمَحَبَّتُهُ قَدْ تَكَمَّلَتْ فِينَا، بِهذَا نَعْرِفُ أَنَّنَا نَثْبُتُ فِيهِ وَهُوَ فِينَا: أَنَّهُ قَدْ أَعْطَانَا مِنْ رُوحِهِ”(1 يو 4: 13،12).

القارئ العزيز تركت لك حرية البحث الشخصي عن الجهود اللاهوتية في تفسير بقية حقوق الانسان في الموعظة بحسب الكتاب المقدس العهد الجديد، الانها تحتاج منك البحث عنها مع ملاحظة ان ترقيم المصدر يحتوي(الى) أي ان هناك آيات لم تذكر تراجع من المصدر لذلك افتح بشارة الرب يسوع واقراء لأنها تعليم للحياة والاهتمام بها وممارستها بغض النظر أين تكون ومن تكون واتجاهاتك في الحياة ومستقبل تفكيرك وايمانك…..

“أَنْتُمْ مِلْحُ الأَرْضِ، وَلكِنْ إِنْ فَسَدَ الْمِلْحُ فَبِمَاذَا يُمَلَّحُ، لاَ يَصْلُحُ بَعْدُ لِشَيْءٍ إِلاَّ لأَنْ يُطْرَحَ خَارِجًا وَيُدَاسَ مِنَ النَّاسِ”(مت 5:13الى16)، وكما يفعل الملح تفعلون أنتم إصلاحياً في القوم الذين يريدون بكم الشر، وطبيعة النور هي الانتشار هكذا لا بد أن تضيء فضائلكم التي هي ثمر الروح القدس فيكم، فيرى الناس أعمالكم الحسنة ولتمجيد أبيكم الذي في السماوات، والسراج يوقد لكي ينظر الناس بواسطته هكذا تكونون أنتم. لأن لا قيمة للملح في حدّ ذاته بل في فعله، ولا قيمة للسراج إلا في نوره. ولا قيمة لكم كتلاميذي إلى بأن تصلحوا وتنيروا. وقد أقمتُكم لأجل هذا، أنتم ملح الأرض بأسرها ونور العالم كله.

“لاَ تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأَنْقُضَ النَّامُوسَ أَوِ الأَنْبِيَاءَ. مَا جِئْتُ لأَنْقُضَ بَلْ لأُكَمِّلَ”(مت 5:17الى20)، لا تتوهَّموا أن تعاليمي الجديدة لأن زوال السماء والأرض أيسر من زوال الناموس إلا بعد أن تتم. إني أقصد إثبات الناموس لا إلغاءه. أبدل منه ما هو وقتيّ بعد أن أكمله. وأتيتُ لأنقض أعمال الشر، فالناموس في يد الكتبة والفريسيين لا يثمر بالصلاح، لذلك جئت لأبيّن عظمته.

“قَدْ سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ: لاَ تَقْتُلْ، وَمَنْ قَتَلَ يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ الْحُكْمِ”(مت 21:5الى26)، الوصية التي تنهَى عن القتل تنهَى أيضاً عن الغضب والنميمة والبُغض. صلاتكم وقرابينكم لا تُقبل بمجرد امتناعكم عن القتل، إذ يجب أن تمتنعوا عن البُغض، فهذا روح الوصية قبل حروفها.

“قَدْ سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ: لاَ تَزْنِ، وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ يَنْظُرُ إِلَى امْرَأَةٍ لِيَشْتَهِيَهَا، فَقَدْ زَنَى بِهَا فِي قَلْبِهِ”(مت5: 30،27)، كم من البشر يعترفون بخطاياهم الفعلية ولا يعترفون بخطاياهم بالفكر، ناسين أن النظرة الشهوانية هي الزنى واستئصال الخطأ أفضل من ارتكابه وخيرٌ أن نخسر أثمن ما عندنا حتى وان كان من الجسد، من أن نخسر رضى الله.

“وَقِيلَ: مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فَلْيُعْطِهَا كِتَابَ طَلاَق، وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ إلاَّ لِعِلَّةِ الزِّنَى يَجْعَلُهَا تَزْنِي، وَمَنْ يَتَزَوَّجُ مُطَلَّقَةً فَإِنَّهُ يَزْنِي”(مت 5:31، 32). أجيز الطلاق بسبب ما كان حال بعض البشر من البداوة والقساوة، وكان اليهود يطلقون زوجاتهم لأتفه الأسباب، بمجرد صدور كلمة من فمه، “إِذَا أَخَذَ رَجُلٌ امْرَأَةً وَتَزَوَّجَ بِهَا، فَإِنْ لَمْ تَجِدْ نِعْمَةً فِي عَيْنَيْهِ لأَنَّهُ وَجَدَ فِيهَا عَيْبَ شَيْءٍ، وَكَتَبَ لَهَا كِتَابَ طَلاَق وَدَفَعَهُ إِلَى يَدِهَا وَأَطْلَقَهَا مِنْ بَيْتِهِ”،(تث 24:1)، فصعَّب موسى الطلاق وأوصى أن من أراد تطليق امرأته فليُعطها رغبته في الطلاق مكتوبة، أما في المسيح فطهِّر هذه الرابطة الزوجية لتثبت وتدوم. فالمرأة تبقى مرتبطة أمام الله بزوجها الأول.

“أَيْضًا سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ: لاَ تَحْنَثْ، بَلْ أَوْفِ لِلرَّبِّ أَقْسَامَكَ، وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: لاَ تَحْلِفُوا الْبَتَّةَ، لاَ بِالسَّمَاءِ لأَنَّهَا كُرْسِيُّ اللهِ”(مت5: 33الى37)، عندكم الوصية التي توجب عليكم القيام بالقَسَم. أما أنا فأقول لكم: ليس فقط لا تحلفوا كذباً، بل أيضاً لا تحلفوا صدقاً. انزعوا من حديثكم كل يمين مهما كان بسيطاً، فيكتفى بقول: “نعم نعم ولا لا” عالماً أن “ما زاد على ذلك فهو من الشرير”.

“سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ: عَيْنٌ بِعَيْنٍ وَسِنٌّ بِسِنٍّ، وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: لاَ تُقَاوِمُوا الشَّرَّ، بَلْ مَنْ لَطَمَكَ عَلَى خَدِّكَ الأَيْمَنِ فَحَوِّلْ لَهُ الآخَرَ أَيْضًا”(مت 5 : 38الى42)، تعليم بنزع روح الانتقام ممن يسيء وتمنع الأحكام الانتقام الشخصي: “لَا تَنْتَقِمُوا لِأَنْفُسِكُمْ أَيُّهَا الْأَحِبَّاءُ، بَلْ أَعْطُوا مَكَاناً لِلْغَضَبِ، لِأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: “لِيَ النَّقْمَةُ أَنَا أُجَازِي يَقُولُ الرَّبُّ” (روم 12:19) فالتنازل عن الحقوق الشخصية لمن يقصد أن يسلبها منكم أفضل من خِصم لكم.

“سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ: تُحِبُّ قَرِيبَكَ وَتُبْغِضُ عَدُوَّكَ، وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ. بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ. أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ، وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ”(مت43:5الى48) لا تقابلوا شراً بشر إن أحسنتم إلى من يسيء إليكم، تخمدون جذوة العداوة، وتطفئون لهيب البغض. اتخذوا من كمال الإله قاعدة لحياتكم فتكونون حقاً أولاد الآب السماوي.

“اِحْتَرِزُوا مِنْ أَنْ تَصْنَعُوا صَدَقَتَكُمْ قُدَّامَ النَّاسِ لِكَيْ يَنْظُرُوكُمْ، وَإِلَّا فَلَيْسَ لَكُمْ أَجْرٌ عِنْدَ أَبِيكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ”(مت 1:6الى4).

“وَمَتَى صُمْتُمْ فَلَا تَكُونُوا عَابِسِينَ كَالْمُرَائِينَ، فَإِنَّهُمْ يُغَيِّرُونَ وُجُوهَهُمْ لِكَيْ يَظْهَرُوا لِلنَّاسِ صَائِمِينَ. اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُمْ قَدِ اسْتَوْفَوْا أَجْرَهُمْ”(مت6: 16الى18).

“وَمَتَى صَلَّيْتَ فَلَا تَكُنْ كَالْمُرَائِينَ، فَإِنَّهُمْ يُحِبُّونَ أَنْ يُصَلُّوا قَائِمِينَ فِي الْمَجَامِعِ وَفِي زَوَايَا الشَّوَارِعِ، لِكَيْ يَظْهَرُوا لِلنَّاسِ، اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُمْ قَدِ اسْتَوْفَوْا أَجْرَهُمْ”(مت 5:6الى15).

الملكوت الجديد لا يلغي الصدقة المتجهة نحو القريب، والصلاة المتجهة نحو الله، والصوم المتجه نحو الذات. لكن يُشترط في التصدَّق والصلّاة والصوم في الخفاء، ولا تُحسب عند اعلانها تكونون كالمرائين، علمتكم الصلاة الى الاب وسترون فيها روح المحبة الأخوة في كنيسته المقدسة، وطلبت في ختام الصلاة، كما في بدايتها، وأن الصلاة تقدّم الى الله، فله وحده الملك والقوة والمجد.

“لَا تَكْنِزُوا لَكُمْ كُنُوزاً عَلَى الْأَرْضِ حَيْثُ يُفْسِدُ السُّوسُ وَالصَّدَأُ، وَحَيْثُ يَنْقُبُ السَّارِقُونَ وَيَسْرِقُونَ”(مت 6: 19الى24)، كنوز العالم فانية، وتبقى الكنوز السماوية، فكنز السماء هو ثمر ما يعمله الإنسان ويبذله في سبيل الخير، لأنكم نور العالم يستنير بكم البشر، واهب الحياة الثمينة لا يتأخر في حفظها. صحيح أن الإنسان يجب أن يهتم بالحاجيات الجسدية، لكنه يجب أن يفعل ذلك وهو متكل على عناية الآب السماوي، ملجئنا، “لكِنِ اطْلُبُوا أَوَّلًا مَلَكُوتَ اللهِ وَبِرَّهُ، وَهذِهِ كُلُّهَا تُزَادُ لَكُمْ.” (مت 6: 33).

“لَا تَدِينُوا لِكَيْ لَا تُدَانُوا، لِأَنَّكُمْ بِالدَّيْنُونَةِ الَّتِي بِهَا تَدِينُونَ تُدَانُونَ، وَبِالْكَيْلِ الَّذِي بِهِ تَكِيلُونَ يُكَالُ لَكُمْ” (مت 1:7الى6)، أوصيكم أن لا تدينوا بعضكم بعضاً، فالحكمة تنهَى عن ذلك، لأن الناس يعاملونكم كما تعاملهم. فالذي يكشف عيوب الناس تكشف الناس عيوبه، والمُخطئ لا يقدر أن يصلِح الأقل عيباً فيه.

“اِسْأَلُوا تُعْطَوْا. اُطْلُبُوا تَجِدُوا. اِقْرَعُوا يُفْتَحْ لَكُمْ. لِأَنَّ كُلَّ مَنْ يَسْأَلُ يَأْخُذُ، وَمَنْ يَطْلُبُ يَجِدُ، وَمَنْ يَقْرَعُ يُفْتَحُ لَهُ”(مت 7:7-12)، كونوا حكماء في أحاديثكم لئلا يتعرِّض كلامكم للهزء والاحتقار، فتكونون كمن يعطي المقدس للكلاب ويطرح جواهره أمام الخنازير، يجب أن يناسب التعليم المقام الذي يُقدَّم فيه وأحوال السامعين. أن الآب السماوي مستعد لاستماع صلواتكم والاستجابة لها، لا يتأخر عن طلب أولاده، يهب الروح القدس للذين يطلبونه.

“اُدْخُلُوا مِنَ الْبَابِ الضَّيِّقِ، لِأَنَّهُ وَاسِعٌ الْبَابُ وَرَحْبٌ الطَّرِيقُ الَّذِي يُؤَدِّي إِلَى الْهَلَاكِ، وَكَثِيرُونَ هُمُ الَّذِينَ يَدْخُلُونَ مِنْهُ”(مت 13:7الى23)، هناك طريقين يجب ان يسير في أحدها. الأولى ضيقة في بدايتها رحبة في نهايتها، والثانية العكس، فأنصحكم أن تختاروا الطريق الضيقة، اما العلاقة بين الشجر والثمر، تستلزم أن يكون الثمر من جنس الشجر، فأعمال الإِنسان لابد ان تثمر بمرور الأيام، أو القطع والإِلقاء في النار لكل من يثمر ثمراً رديئاً. ولا يتوقف هذا عند الرياء والتظاهر بالتديُّن، هم يعترفون بي بأفواههم، وينادونني: “يا رب، يا رب”. لكنهم لم يفعلوا إرادة أبي في السماوات فسأجيب على استنجادهم يوم الدين” إني لم أعرفكم قط. اذهبوا عني يا فاعلي الإثم” .

“فَكُلُّ مَنْ يَسْمَعُ أَقْوَالِي هذِهِ وَيَعْمَلُ بِهَا، أُشَبِّهُهُ بِرَجُلٍ عَاقِلٍ، بَنَى بَيْتَهُ عَلَى الصَّخْر”(مت 24:7الى29). الذي يعرف مشيئة اللّه ويعمل بها هو الذي يضع أساس بيته على الصخرة. والذي لا يعمل يشبه الذي يبني بيته على أساس رملي لكن ذلك لا يدوم.

“وَلكِنْ إِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَدْخُلَ الْحَيَاةَ فَاحْفَظِ الْوَصَايَا”، بارك يا رب جميع البشر واعطهم الايمان كي يشهدوا لك بالحق ويتمثلوا تطويباتك والوصايا في الحياة، والى كنيستك عنوان محبتك للعالم وامنحها القدرة على نشر وديعة الايمان الكتاب المقدس الذي سلمته لها ورعاية المؤمنين …. الى الرب نطلب.

د. طلال كيلانو

—————————————————————————————–

*يولد جميع الناس أحرارًا متساوين في الكرامة والحقوق. وقد وهبوا عقلاً وضميرًا وعليهم أن يعامل بعضهم بعضًا بروح الإخاء. لكل إنسان حق التمتع بكافة الحقوق والحريات الواردة في هذا الإعلان، دون أي تمييز، كالتمييز بسبب العنصر أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي السياسي أو أي رأي آخر، أو الأصل الوطني أو الاجتماعي أو الثروة أو الميلاد أو أي وضع آخر، دون أية تفرقة بين الرجال والنساء. (الإعلان العالمي لحقوق الإنسان المادة 2،1).

البابا يوحنا بولس الثانيّ يؤكد في إرشاده الرسولي على كرامة الإنسان مهما كان جنسه ولونه ودينه وعمره، كونه على صورة الله، ولا ينسى البابا في إرشاده كبار السن و يقول: “من بين المشكلات التي يتعرض لها المسنون في حياتهم اليوم هو التهميش الذي قد يمسّ كرامتهم كبشر قدموا الخدمات وحان دور المجتمع لرعايتهم أكثر من غيرهم، ويقر ايضا بواجب الإكرام للعائلة كونها على مثال العائلة المقدسة، حيث تمثّل العائلة كنيسة مصغرة من المؤمنين حيث الرجل والمرأة مع الأولاد يعيشون ويغذون إيمانهم بالله، والأسرار والصلاة والتسامح والمحبة المتبادلة، والأسرة هي مدرسة الإيمان الأولى، في كنيسة فاعلة… عبارات لها بعدها متى وعت الأسرة المسيحية دورها الرسولي في الحياة، وتفعيل الإيمان والعطاء واستثماره. يوحنا بولس الثاني (البابا)، إرشاد رسولي “في وظائف العائلة المسيحية في عالم اليوم”، الفاتيكان 1981.

**البابا يوحنا بولس الثاني رسائل إرشاد رسولي إلى جميع أساقفة الكنيسة الكاثوليكية، الكهنة، الشمامسة، الأشخاص المكرسين وكل المؤمنين العلمانيين في قيمة الحياة البشرية.

عن د. طلال فرج كيلانو

Avatar

شاهد أيضاً

الصوم والاصوام …. الجزء الاول

معنى الصوم لما كان الإنسان نفساً وجسداً كان من العبث أن نتصور ديانة روحية محضة …