بهرام الخامس ملك الفرس وأضطهاده المسيحيين- الحلقة السابعة عشر

بهرام الخامس ملك الفرس (420 – 438) وأضطهاده المسيحيين (1)
لما مات يرزجرد الآول تنازع أولاد الملك، وكانوا ثلاثة شابور وخوسرو وبهرام او (وارهاران) الملقب بكور وكان شابور قد ملكه ابوه على ارمنية فاتى المدائن ليتملك فيها غير أن العظماء قاموا عليه وقتلوه وخوسور أيضاً لم ينل مرامه فجلس على تحت المملكة بهرام الخامس وذلك بمساعدة المنذر ملك العرب على رأي الطبري، لكن كاتب أعمال بيروز الشهيد الذي كان معاصراً لبهرام الخامس يقول: أنه بهمة المجوس وعظماء المملكة عقد له التاج فلكي يثبت له الامر أنقاذ الى مشورتهم وبدأ منذ أول سنة من جلوسه يضطهد المسيحيين وآتى في أعمال مجمع داديشوع أن الشقاق الذي كان بين الأساقفة هو مهرشابور رئيس المجوس أو بالاحرى مهرشابور صاحب الجيش السابق ذكره غير أنه لم يأمر الا بقتل الأعيان والأشراف ولو اراد أن يقتل العامة لا فرغ مملكته من الخلق لأن المسيحيين ملأوا أرض فارس باسرها، فأمر بنفي العظماء والأعيان ونهب بيوتهم وحبس أيضاً داديشوع الجاثليق مع بعض أساقفته ولم يترك كنيسة الا وهدمها ولا دير ودكه وضبط الكنيسة السفرية النفيسة التي كان تثودوسيوس ملك الروم قد أرسلها الى جاثليق المدائن وجعلها خيمة للصيادين ونهب أيضاً كل ما وجده في بيعة ساليق الكبرى من الأشياء الكنائسية والآنية الثمينة والأقمشة الفاخرة.
وكان هذا الأضطهاد قاسياً شديداً وقال تثودوريطوس المؤرخ اليوناني: أن أختلافات العذابات الكثيرة وشدتها التي بها ضيق على المسيحيين بمملكة فارس لمن المستحيل شرحها على حقيقتها فمنهم من سلخوا جلدَ يديه ومنهم من سلخوا ظهره ومنهم من سلخوا جلدَ وجهه ومنهم من شكوا في جسمه قصباً ثم سحبوه بقوة شديدة وغيرهم في جبوب في أنواع الفيران والجرذان وربطوا أيدي المعترفين وارجلهم فصاروا هكذا وهو أحياء مأكلاً لهذه الحيوانات الجائعة ومن جملة الشهداء الذين تكللوا في أضطهاد بهرام الخامس ووصلت الينا أخبارهم: بيروز وميهرشابور ويعقوب المقطع ويعقوب الكاتب وبنيامين الشماس وهرمزد وشاهين وقد طبعت بأسهاب في كتب الأب بيجان وفي اشهر شهداء الشرق طبعة الموصل.

1 – بيروز البيلاباطي (2)
كان بيروز من أسرة ذات ثروة وأملاك كثيرة ووجيهاً في المملكة، فقبض عليه وعلى كثير من نظرائه من العظماء غير أن العذابات ردته الى المجوسية فسجد للشمس ولما وصل خبره أهل قريته بعثوا اليه رسالة بها رشقوه بسهام المذمة وما كاد يقرأها حتى تمزق قلبه اسفاً وندم على كفره وأسرع بين يدي مهرشابور رئيس المجوس وأقر بأنه مسيحي وأطلع مهرشابور الملك على خبره فأمر بهرام بقتله ورافقه جم غفير من المسيحيين والمجوس وشددوا يديه وطرحوه على الأرض على وجهه وشقوا قذاله وقطعوا لسانه واستلوه من قفاه ثم قطعوا رأسه وكان استشهاده في بلاد شهرزور في 5 أيلول سنة 421.

2 – ميهرشابور (3)
أن هذا الشهيد كان ذا حسب ونسب ووشي به عند الملك يزدجرد أنه مسيحي فكبل بالقيود والقى في سجن مظلم حيث بقى ثلاث سنين فلما اثار بهرام الملك الأضطهاد على المسيحيين أخرجه هرمزداور من الحبس لكي يجبره على الكفر وقتل رفيقه نرساي وسابوخت أما هو فالقي في جب مظلم واطبقوه عليه وختموه ووضعوا عليه حراساً يحرسونه ومكث القديس في الجب من غرة شهر آب الى العاشر من تشرين الأول وحينئذ فتحوا الجب فرأوه ونظروا الشهيد جاثياً على ركبتيه وهو ميت وكان أستشهاده في سنة 421.

3 – مار يعقوب المقطع (4)
كان مسقط رأسه في بيت لاباط وكان من أرفع طبقات الأسر الشريفة وقربه يزدجرد الملك وأكرامه واولاه أشرف المراتب وجعله ينبذ الديانة المسيحية واتصل الخبر بأمه وزوجته وكان يزدجرد قد مات فكتبتا له رسالة عتاب ومما قالتا له: أذا بقيت على ما أنت عليه في ديانة المجوس فنحن لا نعرفك ولا لنا معك أختلاط ابداً. فلما قرأ يعقوب هذه الرسالة تاب الى اللـه واسرع الى سرداقه وأخذ الأنجيل وبدأ يقرأ ولما بلغ الخبر الى مسامع الملك وارهاران أحضره وتهدده واذ لم يكثرت القديس بتخويفاته حكم عليه بالموت فأسرعوا به الى محل العذاب وتبعه الجيش وتقاطرات كل المدينة فقطعوا أولاً أصابع يديه ورجليه واحدة فواحدة ثم يديه ورجليه ثم ساقيه وذراعيه ثم رأسه وأن بعضاً من المسيحيين جمعوا فضة وأعطوها للجلادين ليسلموهم جثته ولم يقلبوا، فلما جن الليل اتوا وسرقوها وجمعوا الأعضاء المقطعة وكانت تسعة وعشرين وقبروها بأكرام وكان جهاد القديس سنة 421 يوم الجمعة 27 تشرين الثاني وفيه يذكره الكلدان والسريان واتى ذكره في السنكسار الروماني في 26 منه.

4 – يعقوب الكاتب (5)
أن هذا الشهيد أصله من كرخ ليدان في الاهواز وكان كاتب الملك وارهاران فأمر الملك بالقبض عليه وعلى خمسة عشر من كتابه واكراههم على نبذ الديانة المسيحية وكان يعقوب في العشرين من عمره ولما ابوا أخذت أموالهم واصدر عليهم الأمر أن يسوسوا الفيال الشتاء كله ولما حان الزمان ليذهب الملك الى مصيفه امروهم أن يتركوا الفيلة ويمهدوا الطريق قدام الملك فصاروا يقطعون الأشجار ويقلعون الأحجار وكان وارهاران يقول لهم مراراً: لماذا تركتم ما كان لكم عندي من الكرامة واحببتم هذا الهوان؟ فكانوا يجيبون: كل ما يأمرنا به ملكنا الجليل نحسبه أكراما لنا غير أن من المحال أن ننبذ ديانتنا.
ثم اتى الخريف ورجع الملك الى المدائن فلما بلغوا جبال بلاشبار اراد ميهرشابور قتلهم. فقال له الملك: حسبهم ما سمناهم من العذاب والهوان فأن أموالهم اخذت وهم الأن في حالة يرثى لها. قال ميهرشابور: اذا أمرني مولاي الملك فأنا دون الضرب والقتل أحملهم أن يكفروا بديانتهم. فقال له: دونك ذلك. فأمر ميهرشابور أن ينزعوا عنهم ثيابهم واحذيتهم ويربطوا ايديهم وراءهم ويذهبوا بهم الليل كله في الجبل ولما اصبحت القوهم على ظهرهم وهم عراة ومكبلون بالقيود ولم يقدموا لهم من الخبز والماء الا ما يسد رمقهم ومر عليهم سبعة أيام على تلك الحالة من العذاب حتى سلخت ارجلهم وضعفت أجسامهم فقالوا لهم: أن الملك أمرنا أن نخلي سبيلكم اذا ما سجدتم للشمس والا فلنسجنكم على الحجارة والصخور في الجبل حتى تموتوا. وكان بعضهم قد اغمى عليه ومن جملهم يعقوب، “فأجاب الباقون بصوت ضعيف: أننا نمتثل أمر الملك” فخلوا سبيلهم ولما نالوا الشفاء أنقطعوا للصوم والصلاة باكين على خطيتهم. أن واحد من عبيد يعقوب سعى بسيده عند حاكم المدائن على أنه لم ينبذ ديانته فدعا الحاكم يعقوب ورفاقه وسأل أولاً رفاق يعقوب وحدهم قائلاً: اما امتثلتم امر الملك قالوا: أننا أهلكنا أنفسنا مرة، فماذا تريدون منا. فعندما خلي سبيلهم. اما يعقوب فجاوبه بشدة غير ناكر أيمانه فغضب عليه الحاكم وأمر بضربه ثم اطلع الملك أيضاً على أمره وعلى كل ما قال فأحضره الملك واجبره أن يكفر بديانته، فأجاب القديس: أن اباك يزدجرد بر ملكه بسلام احدى وعشرين سنة وظهر مهيباً لدى جميع اعدائه وعظمت شوكته لأنه أكرم المسيحيين وبنى الكنائس وصار الأهالي معه في سعة، اخيراً لما أضطهد المسيحيين عاقبه اللـه وأنت تعلم جيداً يا سيدي الملك أي ميته مات وكيف حرم الدفن. فأستشاط الملك وصاح: أمرت أن يقتل هذا الشقي تسع قتلات فذهبوا به الى ساليق حاروبتا وقطعوا أولاً أصابعه واحدة فواحدة ثم يديه ورجليه ثم ذراعيه وساقية ثم جدعوا أنفه وصلموا أذنيه وأخيراً قطعوا رأسه.
وكان في المدائن بعض التجار من أهل مدينته فأعطوا الحراس عشر قطع من الفضة واخذوا جثة القديس ورأسه ولفوهما برداء ووضعوهما في دير ساليق حاروبتا، وأما يداه ورجلاه وأصابعه فخطفهما الرهبان. ثم بعد أيام قليلة نقل التجار الجثة والرأس على دجلة الى مدينته ولما سمعت أمه بأستشهاده ونقل جثته فرحت ولبست ثياباً بيضاء وأنطلقت الى صوماي أسقف المدينة واطلعته على قصة ابنها فدفنه في مكان لائق.

5 – هرمزد الشهيد (6)
أن هرمزد الشهيد كان من أرفع طبقات الأسر الشريفة وجعله يزدجرد الأول موهباطاً في نواحي مملكته ولما جلس بهرام بلغه أن هرمزد مسيحي، فأمره أن ينكر المسيح ولما ابى نزع عنه الثياب الفاخرة وأرسله الى البراري ليرعى الجمال وأستمر على هذه الحالة مدة من الزمان حتى تغير لونه وخارت قواه ووقع عليه يوماً نظر الملك اذ كان يتطلع من شباك قصره فأستدعاه ورحب به وناوله ثوباً فاخراً ليلبسه ملحاً عليه أن يسجد للشمس. اما هرمزد فأخذ الثوب وخرقه ورجعه الى الملك قائلاً: خذ هديتك الزائلة التي بها تريد أن أبيعك ديني. فأمر بهرام بقتله وتذكاره عند اللاتين في 8 آب.

6 – بنيامين الشماس وشاهين (7)
أن بنيامين كان في غاية الحصافة أرجع جمعاً غفيراً من المجوس فسعى به لدى بهرام الملك وأمر بتعذيبه وبقي محبوساً سنتين وفي تلك الأثناء أي سنة 422 عقد صلح بين الروم والفرس فالتمس سفير ملك الروم الى بهرام أن يخلي سبيله فأجابه الى ذلك غير أن بنيامين لم يفتر من التبشير بالأنجيل واتصل الخبر ببهرام فأستشاط غضباً وأمر بأدخال عشرين قضبة حادة تحت أظافر يديه ورجليه وضيقوا عليه وبالغوا في تغذيبه حتى قضى نحبه. وتذكاره عند اللاتين والسريان في 31 آذار.
وكان شاهين أيضاً من عائلة شريفة وغنية جداً وله الف عبد فأمره بهرام أن ينبذ الديانة المسيحية فلم يطعه القديس فوهب الملك كل أمواله لاحد عبيده حتى امرأته ومع كل ذلك لم يرنخ عزم هذا القديس الجليل.

7 – تأجج نار الحرب بين الروم والفرس (8)
أن جميع الكلدان المسيحيين لم يقتدوا بهولاء الشهداء الأبطال فأن كثيراً منهم ارتدوا وبعضهم أستخفوا وغيرهم هربوا الى بلاد الروم فكتب بهرام الملك الى العرب الذين على الحدود أن يمنعوا المسيحيين من العبور غير أم أميراً من أمراء العرب يقال له اسباباط او (اصبهبد) لم يتعرض لهم فحسب بل مد لهم يد المساعدة ولما سعى به المجوس لدى الملك فر هارباً الى بلاد الروم والتجأ الى اناطوليوس قائد الجيوش الرومية الشرقية فولاه اناطوليوس على القبائل العربية المحالفة للروم. وكان الملك حينئذ على الروم تنودوسيوس الثاني وكان عمره لما جلس مكان أبيه اركاديوس ثماني سنين فدبر الملك نيابة عنه انطيميوس الى سنة 414 ثم أخته بوليكريا فطلب بهرام من تثودوسيوس أن يسلم اليه المسيحيين الملتجأين الى القائد الرومي اردابور على بلاد ارزون وفتك بها فزحف عليه ميهر نرسا قائد الجيوش الفارسية وكانت الدائرة على الفرس دامت الحرب الى سنة 422 وفيها عقد صلح بين الطرفين فتعاهد الفرس أن يكفوا عن اضطهاد المسيحيين وكذلك اعطى الروم الحرية التامة لعبدة النار الذين في بلادهم وكان داديشوع الجاثليق ملقى حينئذ في الحبس مع كثير من الأساقفة فترجاهم سفير الملك تثودوسيوس وأطلق سبيلهم ومع ذلك لم ينته الأضطهاد كلياً في المشرق. فأن كاتب قصة بيروز الشهيد يقول أن اضطهاد بهرام دام خمسة سنوات.

8 – اقاق أسقف آمد (9)
ومن الذين اشتهروا في أثناء المحاربة التي جرت بين الروم والفرس مار اقاق أسقف آمد المار ذكره، لمل اغار الروم على ارزوان اسروا منها عدداً كبيراً من الخلق وذهبوا بهم الى آمد وكانوا في حالة يرثى لها، فحن عليهم مار اقاق واراد أن يخلصهم من الاسر، حيث لم يكن له ما يفديهم به دعا كهنته وقال لهم: من العدل أن نبيع قداراً من الأنية الذهبية والفضية التي أهداها المؤمنون الى الكنيسة ونفدي بثمنها هؤلاء الاسرى ونطعمهم، فاخرج اقاق آنية الكنيسة وذوبها وفدى بها الاسرى وكانوا 7000 نفس وارسلهم مزودين مسرورين الى بلادهم فوقع هذا الأمر موقعاً حسناً في قلب وارهاران الملك.

المصادر: (1) ادي شير ص110-111-112 (2) ادي شير ص112 (3) ادي شير ص112 (4) ادي شير ص113(5) ادي شير ص113-114-115 (6) ادي شير ص115 (7) ادي شير ص115-116 (8) ادي شير ص116-117 (9) ادي شير ص117.

الموسوعة الكلدانية – كتاب تاريخ الكلدان صفحة 60 – 65.

الناشر/ شامل يعقوب المختار

عن شامل يعقوب المختار

شامل يعقوب المختار

شاهد أيضاً

أجهاض جنين

كان الحُب . . حُب الروح . . حُب الجسد . . بين الأحضان والقبلات …