الأحد الثاني من موسى 2022 – لوقا 8: 43-48

خلال رحلة يسوع، بالإضافة إلى المزاحمة الّتي كان يتعرّض لها. تأتي امرأة مُصابةٌ بِنَزيف الدم مِنْ إثنَتي عشْرةَ سنة. امرأة تُعتَبر نَجِسة، حيث لا يمكن لأي رجل أنْ يَلمَسها حسب الشريعة اليهوديَّة في ذلك الوقت، ولم يكن في إستطاعة المرأة حتّى لمس الأشياء العامة. 

كانت هذه المرأة مُرهقة وضعيفة جسديَّاً وأيضًا روحيَّاً، كانت في عُزلة تامَّة. الدم هوَ رمز الحياة: تشعر هذه المرأة بِفقدان الدم إنَّها تخسَر الحياة باستمرار. فهي لسنوات وسنوات، تشعر بهروبِ الحياة … دون أنْ يتَمكَّن أحد مِنْ مُساعدتها أو حتّى فقط للدخول في علاقة معها، ناهيك عن “لمسِها”، لأنها كذلك غير طاهرة. 

هذه المرأة على عكس الشخصيَّات الأُخرى في الإنجيل لا تستطيع ولا تَجرؤ حتّى على السؤال، لكنها “تشعر” بداخلها أنَّها إذا كان بإمكانها حتّى لمس حافة عباءة يسوع ستُشفى. في حافة العباءة عند إحدى الزوايا الأربع عادة ما تكون هناك أطراف تذكر اليهودي المتديّن أن يحفظ اسم الله. 

من الغريب أنْ نلاحظ أنَّ لوقا، وهو طبيب وفقًا لما جاءَ في وصفِ القدّيس بولس: “يُسَلِّمُ عَلَيْكُمْ لُوقَا الطَّبِيبُ الْحَبِيبُ” (كولوسي 4: 14)، كان مُتَسرِّعا إلى حَدٍّ ما في الإشارة إلى أنَّ المرأة المُصابة بِنزيفِ الدم، “أنفقَت كُلَّ ما تملِكُهُ على الأطباء، وما قَدِرَ أحَدٌ أنْ يَشفيها” (8: 43). بينما يصف القدّيس مرقس، من ناحية أُخرى، هذهِ القِصَّة بِوصفٍ أثقل حين يؤكِّد على هذه الحقيقة: “عالَجَها أطبّاء كثيرون، وأنفَقَت كُلَّ ماتملكُ، فما استفادت شيئاً، لا بل صارَت مِنْ سيّئٍ إلى أسوأ” (مرقس 5: 26).  

إذن، هذه المرأة، عند لمس حافة أطراف العباءة، تدخل في علاقة بِسِرِّ الله. هكذا يكتب إشعيا النبي فيقول وهو يرى مجد الله: “رَأَيْتُ السَّيِّدَ جَالِسًا عَلَى كُرْسِيٍّ عَالٍ وَمُرْتَفِعٍ، وَأَذْيَالُهُ تَمْلأُ الْهَيْكَلَ” (إشعيا 6: 1). إنها على يقين مِنْ أنَّ الله يحبها ولا يمكن أنْ يتركها في هذا الموقف، وكأنّه غير مهتم بآلامِها. إنّها متأكّدة من أنَّ هذا الشخص مرسل مِنَ الله لها ليُخَلِّصها! 

والشيء الأكثر لفتًا للنظر في رواية الإنجيلي هو أنَّه، في الحَشد، بالتأكيد ليست هذه المرأة وحدها هيَ التي تلامس يسوع: في الواقع، كاد بطرس يضحك مِنْ قول يسوع “مَن لمسني؟” لهذا يُجيب: “يا مُعلِّم، الناس كُلُّهم يَزحمونكَ ويُضايقونك وتقول مَن لمسني؟”. الكُل يلمسه! ربّما هناك البعض لم تَلتَئِم جراحهم، ولم يتَعافى أحد، فقط هذه المرأة!  

الآن تأتي نقطة التحول في هذه القصّة. وحده يسوع يدرك، مِنْ بين الأيدي العديدة الّتي تَمَسَّهُ، تلك الإيماءة الخجولة لامرأة لا تكاد تجرؤ على لمسِ السَيّد كي لا تلوّثه بنجاستها فتلمس حافة عباءته. ترمي بنفسها عند قدميه وتعلن علنًا عن فعلها وأيضًا الإحساس بالراحة الجسديَّة الّتي شعرت بها. والمسيح، كما هو الحال دائمًا في مواجهة النساء اللواتي يعانين مِنْ مُعاناة أكثر فظاعة مثل الأُم المحرومة مِنْ طفل أو حتّى تلك الزانيَّة، يُخاطبها بلطف مُستَخدمًا لقبًا لطيفًا: “يا أبنتي!” (8: 48).  

كم في الكنيسة، في الرعيَّة، في الجماعة، من أشخاص يتزاحمون في الليتورجيا حول المسيح العابر في وسطهِم ومع ذلك لم يشفوا! ما زال دمهم يتدفق ينزف بِسَببِ الحقد والحسد …! هل نسمع في ذواتنا كلمات: “لما لا أتغيَّر أبداً؟” بل أُريد أنْ يتغيّر الآخرين. في الواقع الجواب بسيط جداً، وكل واحدٍ منّا يجب أنْ يعرف السبب الّذي هوَ: “لأنَّك لا تؤمن! لأننا نمتلك إيماناً ضعيفاً”. 

وإذا كُنَّا لا نرى أنفُسِنا مرضى، لأنَّنا نفتَقد إلى البَحث عن الله الّذي هو مَحبَّة. إذن هل نعتقد أنَّ لدينا إيمان بالفعل … حسنًا فالأمر سيكون أسوأ، لأنه في هذه الحالة قلبنا سوف لن يطلبه ولا يجاهد في سبيل الغوص فيه! الإيمان قبل كل شيء نعمة خارقة للطبيعة. فقط من لديه إيمان تلك المرأة سيشفى ويشفى فورا. 

إذن يَنزع يسوع الشوكة الّتي هيَ في قلب المرأة حين يقول لها: “يا أبنتي، إيمانُكِ خلَّصَكِ! فاذهبي بسلام! “. وهكذا، يسدل الستار على قصَّة أنثويَّة تَمَّ حلَّها بِفرح، لكن القصّة تفتح في أذهانِنا قِصَص أُخرى أكثر دراماتيكيَّة والتي نلتقي بها في حياتنا بإستمرار. هكذا سيملاؤنا حُب يسوع حين نُفرغ أنفسنا مِنْ كُلِّ الشرور الّتي هي موجودة فينا. فهو يقول: “لأنَّه حيث يوجد كنزك، يكون قلبك أيضًا” (لوقا 12: 33- 34). الكنز الحقيقي في السماء. الكنز الحقيقي في قلوبنا. إذا كان قلبنا مشغولاً بشيء آخر … إذا كنا نفكر في أنفسنا فقط وليس بالله، فهذا يعني أنه لن يكون هناك مكان ليسوع، لن يكون هناك شفاء من فقدان طعم الحياة. 

قوّة الإيمان تُخَلِّص، تجعل ما هو نجسًا طاهراً، يجعل ما هو مائت حي … هذا هو الإيمان، وهو نفسه الّذي حوّل القديس بولس، وغيَّر زكا، وأعترفت بهِ المرأة السامريَّة، وسكَّن رَوع الزانيَّة واللص اليَميني، أنّه إيمانٌ مدفوعٌ بالحُب الّذي يمكن أنْ يدفع السَجين إلى التوبة والسعي إلى الله، أنَّه بذرة، بذرة جاهزة للازدهار في عمق الإنسان ويجعله يعيش في حياة أفضل. 

فإذا كنت تريد أن تلمس المسيح يمكنك ذلك بالإيمان، الإيمان بأنه ابن الله وأنه هو مخلّصك، متذكّراً كلامه: “وَأَمَّا أَنَا فَقَدْ أَتَيْتُ لِتَكُونَ لَهُمْ حَيَاةٌ وَلِيَكُونَ لَهُمْ أَفْضَلُ” (يوحنا 10: 10). 

بقلم: الاب الدكتور سامي الريس

عن الاب سامي الريس

Avatar

شاهد أيضاً

تدور فكرة إنجيل الأحد الثاني من تقديس البيعة على نقطتين مهمّتين:

أولاً: الأمتناع عن العمل منعت الشريعة العمل يوم السبت. ولهذا التقييد وجه إنساني، إذ مُنحَ …